الخميس , ديسمبر 11 2025
الرئيسية / اراء / المشهد السياسي في تونس وضياع البوصلة!

المشهد السياسي في تونس وضياع البوصلة!

 

اسيا العتروس*
عجز الدولة عن ادارة خلافاتها منذر بكل المخاطر , السياسة في تونس اليوم أشبه بمعركة كسر عظام بين السلطة والمعارضة بمختلف مكوناتها في بلد بات فيه المواطن مرهق وحائر في قراءة ما يمكن أن تؤول اليه الاوضاع على وقع نهاية عام يمضي في ظل مشهد اقتصادي واجتماعي وسياسي وبيئي يزداد تلوثا وتوترا في غياب مؤشرات التنمية وجمود عداد مكافحة البطالة والفقر والفساد وتأرجح ميزان العدالة , كل ذلك في غياب أدنى بوادر الحوار الوطني وانتقال المعركة بدلا من ذلك الى خارج الحدود مع دخول البرلمان الاوروبي على الخط على خلفية ملف الحريات والمحاكمات التي طالت عدد من الصحفيين والسياسيين والمحامين وما تلاه من رد فعل رئاسة الجمهورية بدعوة سفير الاتحاد الاوروبي بتونس جيسيبي بيروني احتجاجا على ما وصفته بالتدخل السافر في شؤون البلاد على خلفية بيان البرلمان الاوروبي حول الاعتقالات والمحاكمات السياسية وهي المسالة التي أثارت جدلا واسعا على المواقع الاجتماعية بين أنصار سعيد وخصومه و هي مسألة ستستمر طالما استمر المشهد على حاله غارق في المزايدات و الابتزازات والتخوين ومحاكم التاريخ …
تونس الى أين ؟السؤال القديم الجديد تونس الى أين بعد خمسة عشرة عاما على سقوط نظام بن علي وبعد عشر سنوات على تجربة الانتقال الديموقراطي المجهضة على وقع عقلية الغنيمة الهدامة وصراع الاحزاب والايديولوجيات والارهاب وكل التحالفات التي مهدت للوصول الى “مسار25 جويلية” مشروع الرئيس الحالي قيس سعيد الذي يواجه تفاقم غضب الشارع والانتقادات على خلفية الاستهداف المستمر لمختلف الاجسام الوسيطة من أحزاب ومعارضة سياسية ونقابات وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني واعلام مع بعض الاستثناءات لبعض المواقع الالكترونية التي حافظت على خطها التحريري المستقل عن خطاب السلطة ..ولا نكشف سرا اذا اعتبرنا أن ما يجري أوقع تونس في فخ حروب المواقع الاجتماعية وسموم الاحقاد السياسية والرغبة في الانتقام وتدمير واجتثاث الاخر.. الشتم والتهم بالخيانة والتآمر غالبا ما تكون جاهزة للتوزيع في حق كل من جاهر باختلاف في الرأي مع توجهات السلطة القائمة أو ينتقد ما يجري من خيارات شعبوية لم تجني منها البلاد غير الاوهام …وبين مبادرات مجلس نواب الشعب بتوفير قرض بدون فائض للراغبين في الزواج و بين مشروع توريد سيارة لكل عائلة تضيع بوصلة الاولويات وتستمر معاناة وعذاب المواطن مع النقل العمومي …و لو اتجه اهتمام الحكومات المتعاقبة باصلاح وتوفير وسائل النقل العمومي في مختلف أنحاء البلاد لتغير الكثير في حياة المواطن والتلاميذ والطلبة و العمال في المدن والارياف ولامكن أيضا التحكم في مسالة الطاقة و الحد من التلوث والتفكير في فتح مصانع تركيب وبين السيارات في تونس ..وهذا ليس الا واحد من أمثلة كثيرة تتنزل في اطار الفرص المهدرة والوقت الضائع في بلد يمتلك من الكفاءات والقدرات الكثير لاستعادة البوصلة والخروج من المتاهات والخروج من النفق المظلم الذي تنجرف اليه تونس دون فرامل.. ولعلنا لا نبالغ أيضا اذا اعتبرنا أن الكتابة عن المشهد الراهن في تونس باتت تمرينا مرهقا وغير محسوب العواقب بين سيف المرسوم 54 المسلط على الرقاب وامكانية ترجمة أي عبارة أو كلمة على أنها عمل موحش في حق أعلى هرم السلطة وموجب للعقاب لا بالخطية المالية فحسب ولكن بسلب الحريات ..
هذا طبعا اذا تجاهلنا هجمات الذباب بكل الالوان الظاهرة والخفية وسيل اللعنات والاتهامات بالتخوين والتآمر لكل من أدلى برأي أو انتقد منظومة سعيد والخيارات السياسية للبناء القاعدي وما يجري من تضييق على الحريات واستهداف للمعارضين والاعلاميين والمحامين و رجال المال والاعمال ..نعم لقد سمحنا لانفسنا بالتفاؤل بعض اللحظات بعد اعلان اطلاق سراح المحامية و الكرونيكير سنية الدهماني بعد سنة و نصف قضتها خلف القضبان بسبب تصريحاتها عن وضعية المهاجرين في البلاد أو هذا ما نعتقد أنه السبب وراء هذا الايقاف , وقرأ الكثيرون هذا الاعلان بأنه مقدمة للافراج عن الصحفيين الموقوفين و عدد من السياسيين قبل أن نعود الى الامر الواقع ونتابع أطوار ايقاف الناشطة السياسية شيماء عيسى يوم السبت الماضي خلال مشاركتها مظاهرة نسوية احتجاجية من أجل الحرية وفي شارع الحرية ..وجاء ايقاف شيماء التي تجاهر بمواقفها الرافضة لمسار 25 جويلية بعد اصدار الاحكام في قضايا التآمر وقد تم ترفيع الحكم الصادر في حق شيماء من 18 الى 20 سنة ..
وقد أثارت عملية ايقافها الكثير من نقاط الاستفهام حول أسباب عدم ايقاف شيماء قبل ذلك لاسيما وأن عنوانها معلوم وبالتالي تجنب ذلك المشهد المستفز الذي تناقلته مختلف المواقع الاجتماعية والقنوات الفضائية التي تضع تونس تحت المجهر ..
لا نريد الانسياق في الحديث عن قضية التآمر وهي أخطر القضايا في تاريخ تونس على الاطلاق وقد منعت وزارة العدل التداول الاعلامي فيها ولكنها لم تبادر بعد صدور الاحكام الى الكشف عن ملابسات وأطوار و اركان التآمر والوسائل لاستهداف السلطة القائمة كما كان يحدث في السابق مع نظام بورقيبة وبن علي حيث يشهد أرشيف جريدة “الصباح “على أدق تفاصيل تلك المحاكمات التي تولت أكبر الصحف التونسية انذاك نقلها للرأي العام والتي كانت ولا تزال المرجع للاكاديميين والباحثين والجامعيين في مخلف أعمالهم و بحوثهم … وبعيدا عن الدخول في تفاصيل القضية فقد جاء بيان هيئة المحامين التونسيين متضامنا مع الموقوفين و أكد في نفس الوقت
أن الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس خلال جلسة 27 نوفمبر جاء “بعقوبات قاسية وغير مقبولة تصل إلى عشرات السنين وأن هذه الأحكام صدرت “رغم حرص الهيئة الوطنية للمحامين، ممثّلة في العميد وأعضاء المجلس، على دعم هيئة الدفاع ومطالبتها المتكررة بتوفير ضمانات الدفاع واحترام القانون، وعلى رأسها رفض المحاكمة عن بُعد لعدم مطابقتها للقانون ولرفضها من المتهمين”….
يصر الرئيس قيس سعيد في كل تصريحاته بعد كل لقاء مع أعضاء الحكومة على” أن الدّولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام من يريد التّنكيل بالمواطنين بأيّ شكل من الأشكال وعلى أن الذين ارتهنوا البلاد وأرادوا تفجيرها وتقسيمها والتفويت في سائر مقدّراتها بعد أن كانوا خصماء الدّهر في الظّاهر وصاروا اليوم حلفاء وخلّانا يوزّعون الأدوار في ما بينهم، فتنسحب عليهم التّهمة التي كرّستها بعض التّشريعات وهي المشاركة في اقتسام المسروق، ومحكمة التاريخ أصدرت قرارها النّهائي وهو لا عزاء للخونة ولا رجوع إلى الوراء”.. في المقابل بدأت الكثير من الخلافات و الصراعات بين خصماء الماضي تذوب و تسقط شيئا فشيئا و بدأت المعارضة تتقارب و تتجه الى توحيد صفوفها و ما صدر عن الحزب الحر الدستوري الذي لا تزال زعيمته عبير موسي في السجن , من توجهات في المدة الاخيرة حول مراجعة تحالفاته والاستفادة من دروس الماضي لتجميع صفوف قوى المعارضة في هذه المرحلة خطوة يتعين الانتباه لها ..فقد منح سعيد الفرقاء الفرصة والاسباب للتقارب في مواجهة القيود المفروضة عليها …
الى أين يتجه المشهد في هذه المرحلة سيظل السؤال المطروح في بداية هذا المقال مطروحا في انتظار زوال الغموض وانقشاع السحب عن سماء تونس ..عجز الدولة عن ادارة الصراعات الداخلية لا يمكن أن يستمر الى ما لانهاية ..
*كاتبة وصحفية تونسية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

كأس العرب.. خندق الانقسام العربي!

د. حسن العاصي* كرة القدم، تلك اللعبة التي وُلدت لتكون مساحة للفرح، تحولت في ملاعب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *