الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / علي سالم البيض… والسيكولوجيا اليمنية.. تناقض في واقع متناقض!

علي سالم البيض… والسيكولوجيا اليمنية.. تناقض في واقع متناقض!

عبدالفتاح الصناعي*
في اليمن، لا تُقاس الشخصيات السياسية ببرامجها بقدر ما تُقاس بتقلّباتها، ولا يُحاسَب التاريخ على نتائجه بقدر ما يُستعاد بوصفه قدرًا. هنا، يصبح التناقض سلوكًا طبيعيًا، بل فضيلة أحيانًا، وتتحوّل القفزات الحادة من موقف إلى نقيضه إلى جزء من “المنطق العام” للبلد. كأن الثبات ترف لا يسمح به الواقع، وكأن التحوّل هو الصيغة الوحيدة للبقاء.
في هذا السياق، لا يبدو علي سالم البيض حالة استثنائية بقدر ما يبدو حالة مكثفة. رجل اجتمع فيه ما يكفي من الاندفاع ليصنع وحدة، وما يكفي من الخيبة ليبعث انفصالًا، ثم ما يكفي من التعب ليتراجع عن الاثنين معًا. كأن السياسة عنده لم تكن مسارًا عقلانيًا بقدر ما كانت مزاجًا وطنيًا متقلبًا، يشبه اليمن حين يستيقظ كل يوم على فكرة جديدة عن نفسه.
لم يكن البيض سياسيًا تقليديًا بارعًا في المكر أو المناورة الطويلة، بل كان سياسيًا عاطفيًا، صريح النية، سريع التصديق، سريع الخيبة. وهي صفات قد تُعد ضعفًا قاتلًا في عالم السياسة، لكنها مألوفة في السيكولوجيا اليمنية حين تُلقى بها في قلب صراع أكبر من قدرتها على الاحتمال. كان أقرب إلى إنسان يحمل مشروعًا أكثر مما يحمل حساباته، وإلى ثائر لم يتعلّم كيف يدير ما بعد الثورة.
حين اندفع علي سالم البيض نحو الوحدة، لم يكن ذلك تكتيكًا باردًا ولا صفقة مصالح، بل خيارًا وجدانيًا واسع الصدى. استطاع أن يُلهب مشاعر اليمنيين للوحدة بوصفها حلمًا تاريخيًا وخلاصًا ممكنًا، فجمعت القلوب قبل أن تتشكل المؤسسات. في تلك اللحظة، بدا وكأن الإرادة السياسية قادرة على تجاوز الجغرافيا والتاريخ معًا، وكأن الحلم وحده يكفي ليصمد الواقع.
لكن الحلم، حين لا يُدار، يتحوّل إلى عبء. اصطدمت الوحدة سريعًا بمنظومة سياسية لم تكن مهيأة لشراكة متوازنة، ولا لإدارة اختلافات ما بعد الاندماج. هنا، لم يتصرّف البيض كسياسي محترف يعيد التموضع بهدوء، بل كإنسان جريح حمل خيبته الشخصية والسياسية معًا، وانتقل من موقع الرمز الوحدوي إلى حامل مشروع الانفصال، بذات الصدق، وذات الاندفاع، وذات الاعتقاد بأن الموقف الأخلاقي وحده يكفي.
والمفارقة أن الرجل نفسه الذي نفخ الروح في مشروع الوحدة، هو من أعاد لاحقًا إحياء فكرة الانفصال بعد أن كادت تصبح أثرًا من الماضي. ثم عاد، مرة أخرى، ليتراجع عن الانفصال، تاركًا وراءه قضية مفتوحة وأسئلة بلا إجابات، وكأن المسألة لم تكن وحدة أو انفصال بقدر ما كانت بحثًا دائمًا عن خلاص لم يأتِ.
هذا التقلّب لم يكن وليد انتهازية سياسية، بل تعبيرًا عن صراع داخلي لم يُحسم، وعن شخصية لم تستطع الفصل الكامل بين الجرح الشخصي والقضية العامة. وفي ذلك، يشبه البيض اليمن ذاته: بلد ينتقل من حلم إلى نقيضه، من اندفاعة كبرى إلى تراجع مؤلم، دون أن يُغلق الدائرة أو يحسم المسار.
في شخصية علي سالم البيض، التقت الطيبة بالقسوة، والثورة بالعجز عن إدارة ما بعدها، والصدق العاطفي بتعقيدات السياسة. لم يكن غادرًا، بل كان مكشوفًا أكثر مما ينبغي في عالم لا يرحم المكشوفين. لم يُحسن لعبة الأقنعة، ولم يتقن فنّ المسافات الآمنة بين الذات والموقف.
ولذلك، لم يكن رحيله مناسبة لإجماع كامل ولا لخصومة نهائية. الوحدوي يستعيد لحظته الوحدوية فيرضى عنه، والانفصالي يتذكر موقفه الانفصالي فيتسامح معه. وهكذا، يتقاطع اليمنيون عند الدعاء لرجل جمعهم وفرّقهم في آن واحد، كما تفعل البلاد دائمًا مع رموزها.
ربما، في رحيله، يترك لنا علي سالم البيض رسالة غير مقصودة: أن اليمن لا يُدار بثنائيات صلبة، ولا يُختزل في خيار نهائي. وأن السياسة، حين تُبنى على الاندفاع وحده، تُنجب تناقضاتها بنفس السرعة التي تُنجب آمالها. وأن اليمني، بطبيعته، كائن متحوّل، يحمل الطيبة والحدّة معًا، ويعيش التناقض لا بوصفه خللًا، بل قدرًا.
في رثاء علي سالم البيض، نحن لا نرثي رجلًا فقط، بل نرثي مرحلة كاملة، ونرثي أنفسنا أيضًا.
نرثي أجيالًا ستظل تتنقل بين المشاريع كما تنقلنا نحن، ما لم نُنتج سياسة جادة، عقلانية، تُصفّي القضايا بدل إعادة تدويرها، وتفصل بين الجرح الشخصي والمصلحة العامة.
رحم الله علي سالم البيض… فقد عبّر، بوعيه أو بدونه، عن بلدٍ كامل يعيش على حافة التحوّل الدائم.
*نقلا عن رأي اليوم

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *