نجاح محمد علي*
مايقوم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يذكرنا بنظرية “الرجل المجنون” كأحد أبرز الأدوات غير التقليدية لفرض الهيمنة. هذه النظرية، صاحبها هو وزير الخارجية الأمريكي هنري كسنجر، والذي ارتبط اسمه بالمفاوضات السرية التي جرت في باريس بين الوفد الأمريكي والفيتنامي الشمالي،و تبنّاها لاحقا مفكّرون في مجال الإستراتيجية، مثل توماس شيلينغ ودانيال إلسبرغ، خلال سنوات الحرب الباردة، حين جادلوا بأن وجود شيء من اللاعقلانية أو عدم اليقين في سلوك القادة قد يجعل الخصم أكثر حذرا من الإقدام على التصعيد. لكن معظم هؤلاء المنظّرين لم يُوصوا أبدا باستخدامها بشكل فج، بل كانوا يعتبرونها احتمالا مؤقتا ضمن ألعاب الردع.، تقوم على فكرة بسيطة لكنها فعالة: إيهام الخصم بأن القائد أو الدولة المعنية غير عقلانية تمامًا، متقلبة المزاج، وقادرة على اتخاذ قرارات مدمرة وغير متوقعة تمامًا. ليس الهدف هنا الجنون الحقيقي، بل خلق حالة من عدم اليقين المتعمد، يصبح فيها الخصم مضطرًا إلى التراجع أو تقديم تنازلات، خوفًا من أن يؤدي أي تصعيد إلى كارثة لا يمكن التنبؤ بها. وبهذا، يتحول التهديد من مجرد كلام إلى أداة نفسية قوية، تجبر الطرف الآخر على حساب كل الاحتمالات السلبية، حتى تلك التي تبدو غير منطقية.
تتجاوز هذه الاستراتيجية الحدود التقليدية للدبلوماسية، حيث تجمع بين عناصر الترهيب الواضح والترغيب الخفي. على سبيل المثال، قد يظهر القائد وكأنه مستعد لاستخدام القوة المفرطة، مثل الضربات النووية أو الغزوات غير المبررة، دون أن يلتزم بأي قواعد منطقية أو أخلاقية. هذا التقلب المتعمد يولد لدى الخصم حالة دائمة من القلق والارتباك، مما يجعله يفكر مرتين قبل اتخاذ أي خطوة. ومع ذلك، فإن نجاح هذه النظرية يعتمد على التوازن الدقيق؛ فإذا أفرطت الدولة في استخدامها، قد تفقد مصداقيتها، ويتحول الجنون المصطنع إلى ضعف حقيقي.
ومع ذلك، فإن مواجهة مثل هذا النمط من السلوك لا تكون بالانجرار إلى دوامة الجنون المتبادل أو الردود الفعلية المتهورة، بل باتباع نهج أكثر ذكاءً يُعرف بـ”الغموض الإيجابي”. هذه السياسة تعتمد على أساسيات قوية: وضوح تام في المبادئ الأساسية والثبات الاستراتيجي الذي يعكس قوة داخلية، مقابل غموض محسوب ومدروس في أدوات الرد، حدودها، وتوقيتها. بهذه الطريقة، يصبح الغموض ليس سلاحًا في يد الخصم فحسب، بل أداة ردع فعالة في يد الدولة المستهدفة، تحول عدم اليقين إلى ميزة دفاعية تجعل الخصم يتردد في أي محاولة للتصعيد.
لنعد إلى التأريخ لنرى كيف تم تطبيق هذه النظرية عمليًا. خلال حرب فيتنام في الستينيات، اعتمد الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون على هذه الاستراتيجية بشكل مباشر، في ما عُرف بعملية “الرجل المجنون” عام 1969. كان نيكسون يسعى إلى إقناع القيادة الفيتنامية الشمالية وحلفائها السوفييت بأنه غير قابل للتنبؤ، وقد يلجأ إلى استخدام السلاح النووي إذا لزم الأمر. فقد أمر بزيادة التحليقات النووية قرب الحدود السوفيتية، وأرسل إشارات غير مباشرة تفيد بأنه “غير قابل للضبط عند الغضب”. الهدف كان دفع فيتنام الشمالية إلى طاولة التفاوض، لكن النتائج لم تكن حاسمة كما كان يأمل. بدلاً من ذلك، ساهمت هذه الاستراتيجية في إطالة أمد الصراع، وزيادة التكاليف البشرية والاقتصادية على الولايات المتحدة، مما أدى إلى تعميق المأزق الأمريكي وانهيار الدعم الشعبي داخليًا.
الدرس الرئيسي المستفاد من تجربة نيكسون هو أن الضغط النفسي وحده لا يكفي لتحقيق الانتصار، خاصة أمام خصم مصمم ومتماسك. بدلاً من الخضوع، يجب على الدولة المستهدفة بناء قدرات حقيقية تجعل أي تهديد عديم الجدوى. هذا يعني تحويل المعادلة الاستراتيجية بحيث يدرك الخصم أن التصعيد سيكلفه أكثر مما سيكسبه، وأن الغموض الذي يستخدمه كسلاح نفسي سيواجه بغموض مضاد أكثر فاعلية وثباتًا. في النهاية، يصبح الجنون المصطنع عرضة للفشل إذا لم يكن مدعومًا بقوة حقيقية.
في السياق المعاصر، يُعد دونالد ترامب أحد أبرز تجسيدات هذه النظرية في السياسة الخارجية الأمريكية. خلال فترة رئاسته (2017-2021) ،ودورته الرئاسية الثانية منذ 2025، اعتمد ترامب أسلوب التقلب العلني كأداة رئيسية: تهديدات قصوى مثل “النار والغضب” ضد كوريا الشمالية، انسحابات مفاجئة من اتفاقيات دولية كالاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) في 2018، ثم مبادرات تفاوضية غير متوقعة مثل قمة سنغافورة مع كيم جونغ أون. بالنسبة لإيران ومحور المقاومة، كانت سياسته تعتمد على “الضغط الأقصى”، بما في ذلك فرض عقوبات اقتصادية قاسية، واغتيال الجنرال قاسم سليماني في يناير 2020، مع رسائل متناقضة تجمع بين التهديد العسكري والغزل الدبلوماسي. الهدف الرئيسي كان إرغام الخصوم على الاستسلام غير المشروط، مستفيدًا من الخوف من ردود غير متوقعة.
ومع ذلك، أثبتت الوقائع أن هذه الاستراتيجية تفشل أمام الدول الثابتة في مبادئها ومصالحها. في حالة إيران، لم تؤدِ سياسة الضغط إلى تنازلات جوهرية؛ بل على العكس، عززت من تصميم طهران على تطوير قدراتها الدفاعية، بما في ذلك تعزيز برنامجها النووي السلمي ضمن إطار سيادتها المستقلة. فقد ردت إيران بضبط النفس الاستراتيجي، مثل الرد المحدود على اغتيال سليماني بضرب قواعد أمريكية في العراق دون تصعيد شامل، مما أظهر أن التقلبات الأمريكية تحولت إلى نقطة ضعف بدلاً من مصدر قوة. هذا النهج جعل الولايات المتحدة تبدو غير موثوقة، خاصة بعد فشل حملة الضغط في إجبار إيران على إعادة التفاوض بشروط أمريكية.
واجهت إيران هذه الاستراتيجية من خلال تثبيت سلوكها السياسي والعسكري، مقدمة نفسها كدولة عقلانية لكنها غير قابلة للابتزاز أو الترهيب. تمتلك إيران خطوطًا حمراء واضحة تمامًا، مثل الدفاع عن سيادتها ودعم حلفائها في المنطقة، لكنها تحتفظ بالغموض المدروس حول تفاصيل ردودها، مثل نوع الأسلحة أو التوقيت الدقيق. هذا الغموض يجعل أي محاولة للتنبؤ بسلوكها محفوفة بالمخاطر، مما يعزز من قوة الردع دون الحاجة إلى تقلبات مفرطة.
أما المخاطر بعيدة المدى لاعتماد نظرية “الرجل المجنون”، فهي تتجاوز العلاقات الثنائية بين الدول لتطال النظام الدولي بأكمله. الإفراط في التهديدات غير المتوقعة يقوض الثقة بين الدول، ويزيد من احتمالات سوء التقدير الذي قد يؤدي إلى انفجار صراعات غير مقصودة، كما حدث في أزمات سابقة مثل أزمة الصواريخ الكوبية. كما أنها تخلق بيئة غير مستقرة، حيث تصبح كل أزمة صغيرة قابلة للتحول إلى مواجهة كبرى، مما يعيق الجهود الدبلوماسية ويزيد من سباق التسلح العالمي.
في هذا السياق، تستثمر إيران هذه المخاطر لصالحها من خلال تقديم نموذج مضاد: دولة ثابتة المبادئ، واضحة في أهدافها الاستراتيجية مثل الاستقلال والدفاع عن المظلومين، لكنها غامضة في أدوات ردها العملياتية. هذا الجمع بين الوضوح السياسي والغموض التكتيكي يعزز الردع، ويجعل الخصم في حالة قلق دائم، دون أن تضطر إيران إلى تبني سلوك متقلب أو غير محسوب. على سبيل المثال، في أزمات مثل هجوم اليمنيين على أرامكو عام 2019 أو التوترات في مضيق هرمز، أظهرت إيران قدرتها على الرد دون كشف كل أوراقها، مما أجبر الولايات المتحدة على إعادة حساباتها.
الغموض الاستراتيجي
في مواجهة نظرية “الرجل المجنون”، لا تنجر إيران إلى لعبة الجنون المتبادل، بل تطوّر عقيدة مختلفة يمكن تسميتها بـ”الغموض الإيجابي”. هذه العقيدة تقوم على عقلانية في الخطاب الدبلوماسي، صرامة في المواقف السياسية، وغموض مدروس في كيفية وتوقيت الرد العسكري أو الاقتصادي. وبهذا، يتحول الغموض من حالة ضعف إلى عنصر قوة، ومن أداة تهديد في يد الخصم إلى وسيلة ردع فعالة في يد طهران.
تفعيل بروتوكول “ساعة الصفر” – وهو مصطلح يشير إلى الاستعداد الدائم للدفاع الشامل – يجسد هذا النهج بوضوح تام. فهو يظهر إيران كقوة مستعدة للدفاع عن نفسها بأقصى ما لديها، دون أن تكشف تفاصيل قدراتها الكاملة أو خططها الدقيقة. هذه الاستراتيجية تحول سياسة التقلب الأمريكية من أداة ضغط إلى عامل ردع معاكس، وتعيد صياغة ميزان القوى النفسي والاستراتيجي غرب آسيا
الأهم من ذلك، أن هذا النهج يعزز مكانة إيران كدولة ثابتة، واثقة من نفسها، وقادرة على فرض كلفة عالية على أي عدوان محتمل، دون الانجرار إلى تصعيد غير محسوب أو مغامرات متهورة. إنه نهج يستفيد من دروس التأريخ – من فيتنام إلى الاتفاق النووي – ويترجمها إلى سياسات واقعية، تصنع حاضرًا أكثر توازنًا، وتمهد لمستقبل أكثر قوة، استقلالية، واستقرارًا إقليميًا.
وفي عالم تتزايد فيه التقلبات الجيوسياسية والتهديدات غير التقليدية، قد يكون الغموض الإيجابي هو أكثر أشكال العقلانية السياسية فعالية، حيث يجمع بين الحكمة والقوة في مواجهة الجنون المصطنع.
*كاتب وصحافي عراقي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر