د. نسيب حطيط*
لا يمكن إدراك حجم معاناة أهل الجنوب والمجازر المروّعة من الترهيب والخوف والقتل والتدمير التي يتعرضون لها _ وهي أشد مما عاشوه منذ احتلال فلسطين عام 1948 _ إلا بزيارة الجنوب ولو ليوم واحد، لتعيش ما يعيشه الناس وقد لا تصدق كيف لا يزال الناس محافظين على طبيعتهم وحياتهم اليومية، فيقيمون الأعراس، ويشيّعون الجنائز، ويفتتحون المشاريع التجارية، ويذهبون إلى مدارسهم وجامعاتهم، وكيف يستطيعون الضحك ودموعهم في عيونهم!
يغادر الجنوبي بيته في بيروت كل أسبوع، متجهًا إلى الجنوب لزيارة بيته المدمر أو المتبقي، أو قبور أحباءه ويظل مطمئنًا حتى يتجاوز حدود جنوبي صيدا، وعندها يُدرج اسمه على قوائم الاغتيال الإسرائيلية إما بتهمة المقاومة، أو لمجرد سيره خلف مقاوم أو أمامه، عندها يبدأ بالدعاء والاستغاثة والتوكل على الله وحده، الذي لم يبقَ سواه سندًا، إذ لا سلطة ولا حلفاء ولا مساندون. تبدأ الدوريات الجوية الإسرائيلية ومفرزات الطائرات المسيّرة المسلّحة بمرافقتهم، حيث تمارس القيادة الإسرائيلية طقوسها الدينية التوراتية المتمثلة في “الصيد البشري”. فيكمنون لأهالي الجنوب على الطرقات والحقول ويصطادونهم يوميًا، ويمارسون عليهم التعذيب المستمر عبر طنين المسيّرات المزعج.
كانت الأمهات يصدحن بالحداء، ليخلد الأطفال إلى النوم، أما المسيّرات الإسرائيلية فتُصدِر الطنين، لئلا ينام الأطفال ولا الكبار!
في الجنوب، عندما يسمع الناس صوت انفجار، تتوقف الأمهات والزوجات عن أعمالهن، ويتراكضن لإلتقاط هواتفهن ويبدأن بالدعاء والبكاء ،انتظارًا للخبر عن الرجال الذين خرجوا صباحًا ولم يعودوا بعد وتدعو كل واحدة منهن ألا يكون الشهيد، ابنها أو زوجها أو أخوها، وتدعو الله أن يحفظ جميع الشباب ويطول الانتظار، وعندما تصل رسالة (لقد تم تبليغ الأهل…) يشعرن بالارتياح، فتشكر الأمهات والزوجات والأولاد الله ويدعون للشهيد بالرحمة ولأهله بالصبر، ومرات يتسرع البعض وينشرون اسم الشهيد قبل تبليغ أهله، فيسمعون الخبر عبر التلفاز أو الهاتف، فيتم اغتيالهم مرة أخرى بخبر متسرّع وغير عاقل.
في الجنوب، تغتال إسرائيل الأب أمام عائلته، أو أمه وأبيه بعد دقائق من وداعه أو إنزال عائلته من السيارة، فيحترق أمامهم ويذوب في لحظة، ذلك الأب أو الابن وضحكاته!
في مثل هذه الأيام، كانت الأمهات يخرجن لجمع “العلت” و “الخبيز” و “العنّة” من الحقول ، أما اليوم، فتخرج الأمهات للبحث عن جثامين أبنائهن، أو قلادة، أو ثياب عسكرية، أو حذاء عسكري، وما تبقى من أرواحهن… هل جرّبت يومًا شعور البحث عن عظام ولدك؟
في الجنوب، لا يُكمل بعض الشباب أعراسهم، فيوزعون الدعوات، يشترون بدلة العرس، ويفرشون بيوتهم، لكن قبل موعد العرس، يعودون شهداء في توابيت تُزيّنها الأزهار والزغاريد والدموع!
في الجنوب، من يخرج من البيت لا يضمن أن يعود حيًا، فإما أن تغتاله إسرائيل بعد لحظات، أو تدمر بيته أمام عينيه. فهل تدرك معنى أن يُدمَّر بيتك أمام عينيك؟
يُدرج اسم الجنوبي على لائحتين، لائحة القوائم الانتخابية فوق سن الـ 21 عامًا، والتي تمحى انتصاراته ودينه، بإجباره لانتخاب بعض الفاسدين باسم المقاومة، ولائحة الموت الإسرائيلية التي لا تشترط عمرًا، بل قد تبدأ باغتيال “الجنين” مع أمه، وصولًا إلى الشهيد أو الميت في قبره!
الجنوب بحر الصبر ومدرسة الإباء والشجاعة، وما يتحمله أهله،لا يستطيع أن يتحمله أحد، ويبقى ثابتًا على دينه ولا يرفع الراية البيضاء. فهل تعلم معنى أن يعيش الإنسان وهو على لائحة الإعدام دون محاكمة ودون توقيت؟
يتطاول بعض الأنذال والعملاء على المقاومة وأهلها، ويتهمونها بأنها أشعلت الحرب وجنت على نفسها وعلى لبنان ولا يذكرون كم مرة شَنَّت إسرائيل الحرب على الجنوب واحتلّته، بينما كان بعضهم يركبون على ظهر دباباتها أو يستقبلون مسؤوليها في قصورهم، ولم يطلقوا رصاصة واحدة ضد الجيش الإسرائيلي ولا يتذكرون إلا حرب إسناد واحدة للمظلومين الفلسطينيين، لأنهم لم يتعرضوا للتوحش الإسرائيلي ولم يعرفوا ظلمه!
يكتم أهل الجنوب غضبهم في صدورهم ،كالبركان الذي يتهيأ للانفجار ، وسوف يأتي اليوم الذي تستطيع فيه المقاومة وأهلها الانتقام من المحتلين والعملاء (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ؟).
أيها المسؤولون والمحايدون والعملاء والمتآمرون، يا أهل الغدر الذين تعرقلون الإعمار وتسعون لنزع السلاح، ندعوكم لقضاء يوم واحد في الجنوب لتستعيدوا إنسانيتكم و وطنيتكم، وتدركوا معنى الكرامة والصبر، ولترتقوا من مستوى النذالة والعمالة والسفالة إلى مراتب العزة والكرامة، ولا اعتقد أنكم ستفعلون، لأنه لا يليق بكم الشرف…
*كاتب لبناني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر