السبت , فبراير 14 2026
الرئيسية / اراء / العدالة بين النفوذ والضمير!

العدالة بين النفوذ والضمير!

عدنان نصّار*
ليس أخطر ما في قضية جيفري إبستين حجم الجرائم المنسوبة إليه، بل حجم الأسئلة التي كشفتها حول معنى العدالة حين تُختبر أمام النفوذ. فالقضية، في جوهرها، لم تكن ملفًا جنائيًا فحسب، بل مرآةً أخلاقية عكست هشاشة النظام حين يقترب الاتهام من دوائر المال والسلطة.
في كل مرة يُعاد فيها تداول اسمه، تتقدّم مشاهد الطائرات الخاصة، والقصور الفاخرة، والعلاقات المتشابكة مع شخصيات نافذة. لكن قلّما تتصدّر المشهد صورة الضحية: فتاةٌ خرجت من التجربة بذاكرةٍ مثقلة، بثقةٍ مهشّمة، وبإحساسٍ دائم بأن العالم ليس مكانًا آمنًا كما قيل لها يومًا.

لقد حوّلنا الجريمة إلى ملف مشاهير.
حوّلنا الألم إلى مادة جدل.
وجعلنا الضحية تفصيلاً في قصةٍ يتصدرها الأقوياء.
وهنا تبدأ المأساة الأخلاقية.
العدالة، حين تتأخر، لا تكون محايدة. التأخير في قضايا الاستغلال ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل رسالة ضمنية مفادها أن ميزان الكرامة يختلّ كلما ازداد ثقل الاسم المتهم.. فالضحايا غالبًا ما يُطالبون بإثبات مضاعف، وبشجاعة مضاعفة، وبصبرٍ يكاد يكون بطوليًا، بينما يُمنح المتهم مساحةً للإنكار، وللتشكيك، ولإعادة صياغة السردية.
موت المجرم إبستين داخل زنزانته أضافت طبقة جديدة من الغموض، لكنها لم تُنهِ السؤال الجوهري: هل كنا أمام فردٍ استغل نفوذه، أم أمام منظومةٍ صمتت طويلًا لأنها مستفيدة أو خائفة أو متواطئة بالصمت؟
إن أخطر ما تكشفه هذه القضية ليس فقط وجود جريمة، بل وجود بيئة تسمح بتمريرها.. بيئة تُغري بالصمت حين تكون المصالح متشابكة، وتُغري بالإنكار حين تكون السمعة على المحك، وتُغري بالتشكيك حين تخرج الضحية لتتكلم.
المجتمع الذي يُصغي إلى همسات النافذين أكثر مما يُصغي إلى صرخات الضعفاء، مجتمعٌ يُعيد إنتاج الظلم بوعيٍ أو من دونه.
وفي خضم العناوين الصاخبة، تضيع الحقيقة الأساسية: الاستغلال ليس فضيحة علاقات عامة، بل جريمة ضد الطفولة وضد الثقة وضد مفهوم الأمان ذاته. إنه كسرٌ مبكرٌ لعلاقة الإنسان بالعالم، وندبةٌ لا تُرى لكنها لا تزول.
حين تتحوّل القضية إلى ساحة تجاذب سياسي أو إلى مادةٍ لنظريات المؤامرة، يتراجع الضحايا مرةً أخرى إلى الخلف. يُستدعون كشهودٍ في صراعٍ لا يشبههم، بينما معركتهم أبسط وأعمق: أن يُصدَّقوا. أن يُعترف بألمهم. أن يُعاملوا بوصفهم أصحاب حق، لا أطرافًا في مشهد استعراضي.
إن العدالة الحقيقية لا تُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية، ولا بحجم التغطية الإعلامية، بل بقدرتها على أن تقول بوضوح: لا أحد أكبر من المساءلة. لا اسم يعلو فوق الكرامة. لا نفوذ يحصّن صاحبه من السؤال.
وإذا كان من درسٍ أخلاقي ينبغي أن يُستخلص، فهو أن المجتمعات التي تحمي الأقوياء على حساب الضعفاء، لا تخسر ضحاياها فقط… بل تخسر ثقتها بنفسها. تخسر يقينها بأن القانون وُجد ليحمي الجميع لا ليُدار وفق ميزان العلاقات.
القضية لم تكن عن رجلٍ واحد أدار جزيرة للدعارة وقتل الكرامة الإنسانية، بل عن اختبار ضمير جماعي..
عن سؤال بسيط وقاسٍ في آن: ماذا نفعل حين تتعارض الحقيقة مع المصالح؟
إما أن نختار العدالة كاملة، بشفافيةٍ لا تعرف الانتقاء،
وإما أن نختار الصمت… ونسميه استقرارًا.
لكن الصمت، في قضايا كهذه، ليس حيادًا.
إنه انحياز.
وهذه ليست قصة فضيحة عابرة.
إنها امتحان أخلاقي مفتوح… ما زال ينتظر إجابة.
*كاتب وصحفي أردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الميثاق العربي المفقود!

د. ادريس هاني* ما الذي نأمل من السياسات العربية اليوم، وماذا نتوقع من عالم كسر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *