نجاح محمد علي*
تبرز هذه الأيام تساؤلات عميقة داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول حقيقة نوايا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: هل كان يسعى فعلاً إلى حرب مع إيران، أم أنه دُفع إليها ضمن مسار معقّد من التأثيرات الاستخبارية والإعلامية؟
أولاً: بين الرغبة والاضطرار
في البداية لابد أن نشير بمهنية عالية إلى أن ترامب لم يكن يفضّل خيار الحرب المفتوحة مع إيران، ليس انطلاقاً من قناعة سلمية ولا حبًا بالسلام فهو الأميركي المتعجرف المهاجر الذي سطا على الأرض و قتل سكانها الأصليين ليحكم و يسعى للتمدد تحت واجهة “الرجل الأبيض” ، بل من حسابات داخلية بحتة. فقد كان ترامب يدرك أن أي انخراط عسكري واسع مع إيران بشكل خاص ، سيؤثر سلباً على شعبيته التي تشهد هذه الأيام تراجعاً ملحوظاً، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس، وفي ظل مزاج أمريكي عام يميل إلى رفض الحروب الخارجية بعد تجارب مكلفة في غرب آسيا .
هذا الإدراك جعل موقفه متردداً، محكوماً بمعادلة دقيقة بين استعراض القوة من جهة، وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة من جهة أخرى.
ثانياً: وهم “الضربة الحاسمة”
عندما أُطلقت العمليات العسكرية ضد إيران في يونيو حزيران الماضي وما سُمي “حرب الـ12 يوماً” ، بدا أن ترامب اقتنع بأن الضربات الجوية المكثفة قد حققت هدفها الأساس: تدمير البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل أو شبه كامل. هذا التقدير انعكس في نبرة التصريحات الأولية التي حملت طابع “الإنجاز السريع”.
غير أن هذا التصور لم يدم طويلاً.
ثالثاً: معركة ما بعد الضربة… من يقنع من؟
سرعان ما تبدلت الرواية. تقارير استخبارية وتسريبات إعلامية متتالية بدأت تشكك في نتائج الضربات، وتؤكد أن القدرات النووية الإيرانية لم تُدمّر كما كان يُعتقد. هنا، تبرز فرضية محورية: هل كانت تلك التحولات نتيجة تقييمات موضوعية، أم أنها جاءت بفعل تأثيرات موجهة؟
تتحدث مصادر متعددة عن دور فاعل لأجهزة مرتبطة بالكيان الصهيوني، وعلى رأسها “الموساد”، في إعادة تشكيل قناعة صانع القرار الأمريكي. ويُقال إن هذا التأثير لم يقتصر على القنوات الاستخبارية التقليدية، بل امتد إلى فضاءات أوسع، شملت مراكز القرار والتحليل، بل وحتى بعض دوائر التأثير داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي.
الأهم من ذلك، أن هذه الجهود ترافقت مع تحريك واسع للإعلام الدولي، حيث جرى تضخيم فكرة “فشل الضربة” وإعادة طرح سيناريو “الخطر الإيراني المستمر”، بما يضع الإدارة الأمريكية أمام ضغط متزايد للاستمرار في التصعيد، وبالتالي التورط في الحرب الحالية.
رابعاً: ترامب بين الضغط الخارجي والهشاشة الداخلية
في هذا السياق، وجد ترامب نفسه في موقف معقّد:
من جهة، هو رئيس لا يريد التورط في حرب طويلة قد تكلّفه سياسياً؛
ومن جهة أخرى، يتعرض لضغوط متصاعدة—إعلامية واستخبارية يديرها نتنياهو —تُصوّر التراجع كخيار كارثي.
هذا التناقض تجلّى بوضوح في الخطاب العام، حيث ظهر ترامب أحياناً بمظهر المتردد، وأحياناً أخرى بمظهر الذي يُصعِّد، في محاولة للتوفيق بين صورتين متناقضتين: “الرئيس القوي” و”الرئيس الذي يتجنب الحروب”.وهنا لاد أن يُظهر المتناقضات ويلتبس بلباس “الرجل المجنون.”
خامساً: نظرية “الرجل المجنون”… تكتيك أم فخ؟
و لطالما رُوّج لترامب باعتباره يجسّد “نظرية الرجل المجنون”، وهي استراتيجية تقوم على إظهار القائد بمظهر غير قابل للتنبؤ، بهدف ردع الخصوم ودفعهم إلى تقديم تنازلات.
لكن ما تكشفه أحداث تلك المرحلة هو مفارقة لافتة:
بينما كان ترامب يحاول استخدام هذه النظرية كأداة ضغط، كان هو نفسه عرضة لحرب إدراكية مضادة، تستهدف توجيه قراراته عبر خلق بيئة من القلق والارتباك.
فالإعلام، مدعوماً بخبراء ومحللين، بدأ يطرح سردية متكررة:
أنت في مأزق… لا تستطيع التقدم ولا التراجع.
وهي معادلة نفسية تهدف إلى دفع صانع القرار نحو خيارات أكثر تصعيداً، تحت ضغط الخوف من الظهور بمظهر الضعف.
سادساً: الحرب التي لا تُرى… “حرب الإدراك”
ما جرى مواجهة عسكرية من العيار الثقيل لكنها في الواقع نموذج واضح لما يُعرف بـ“حرب الإدراك”—حيث تُستخدم المعلومات، والتسريبات، والتحليلات، كأدوات استراتيجية لا تقل أهمية عن الصواريخ والطائرات.
في هذا النوع من الحروب، يصبح الهدف ليس فقط تدمير قدرات الخصم، وإنما التأثير على طريقة تفكيره، ودفعه لاتخاذ قرارات تخدم مصالح الطرف الآخر—دون أن يدرك ذلك.
أخيرًا تكشف هذه الوقائع أن الصراع لم يكن فقط بين واشنطن وطهران، فهو في الحقيقة كان أيضاً صراعاً داخل دوائر القرار نفسها، بين رؤى مختلفة وضغوط متعارضة.
كما تبرز أهمية إدراك أن الحروب الحديثة ليست تلك التي تُخاض فقط في الميدان، فهي تُخاض في العقول أيضاً.
ومن هنا، فإن أي استراتيجية مواجهة—خصوصاً بالنسبة لإيران—لا يمكن أن تكتمل دون فهم عميق لحرب الإدراك، وكيفية تحصين القرار من التأثيرات الخارجية، سواء كانت استخبارية أو إعلامية.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل كان ترامب لاعباً يستخدم أدوات الضغط بمهارة… أم أنه تحوّل، في لحظة ما، إلى هدفٍ لتلك الأدوات نفسها؟
والتركيز في حرب إيران وعموم محور المقاومة يجب أن يكون على نتنياهو و عدم الاهتمام كثيرًا بتصريحات ترامب…”الرجل المجنون”!.
*صحافي استقصائي عراقي متخصص في الشؤون الإيرانية والإقليمية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر