الثلاثاء , أبريل 7 2026
الرئيسية / اراء / السقوط والانهيار الحتمي للصهيونية!

السقوط والانهيار الحتمي للصهيونية!

جاسم العزاوي*
لعقود من الزمن، أُجبر العالم على الشعور بالذنب لمجرد رؤيته للحقيقة بوضوح. لقد انتهى ذلك العصر. هناك لحظة في الحياة الأخلاقية للأمم لا تعود فيها الأكاذيب التي دعمتها قادرة على الصمود. وإسرائيل تعيش تلك اللحظة الآن. إن الصور القادمة من غزة لم تكن مجرد دليل على وحشية الحرب؛ بل هي تشريح للأسطورة التي بُنيت بعناية فائقة، والتي صورت إسرائيل كملاذ للمضطهدين، وديمقراطية في الصحراء، ومنارة أخلاقية في بحر من الهمجية. تلك الأسطورة التي تم الحفاظ عليها بإتقان والدفاع عنها بشراسة، احترقت الآن وهي حية وسط الركام الذي صنعته يداها.
لقد حذر الصحفي والكاتب “كريس هيدجز” — أحد الأصوات القليلة في الإعلام الأمريكي التي تجرأت على التحدث بوضوح بينما ارتعش الآخرون — قبل سنوات من أننا “أعطينا إسرائيل تفويضاً مطلقاً للتطهير العرقي والاحتلال والقمع”. لم يستمع العالم حينها، غارقاً في اتهامات “معاداة السامية”؛ تلك الأداة الحادة التي لم تُستخدم لحماية اليهود، بل لإسكات الحقائق القاسية. لجيل كامل، نجحت هذه التهمة، فجمدت الألسنة، وأنهت المسيرات المهنية، وأغلقت باب النقاشات. أما اليوم، فهي تسقط مثل رصاصة فارغة على أرض صخرية؛ فالعالم قد رأى الكثير.

غزة ليست مجرد مكان، إنها حُكم وقضاء.” — جدعون ليفي، صحيفة هآرتس.
كتب جدعون ليفي من داخل إسرائيل، بشجاعة الرجل الذي رفض كل أنواع الصمت المريح، موثقاً لعقود ما رفضت بلاده رؤيته. كتب أن إسرائيل “ضلت طريقها” وأن “الاحتلال ليس مجرد قضية سياسية، بل هو كارثة أخلاقية”.
الآن، أصبحت الكارثة مرئية للجميع، بلا فلاتر أو تظاهر. أطراف طفل وسط الركام، مستشفى تحول إلى قبر، عائلة مُحيت بضربة واحدة. العالم يشاهد ويتذكر، ولا يمكن لأعتى علاقات عامة أن ترمم هذه الصورة المحطمة.
لقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزير الدفاع السابق غالانت بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. كما وُضع الجيش الإسرائيلي على “قائمة العار” التابعة للأمم المتحدة. هذه ليست اختراعات دعائية، بل هي أحكام مؤسسات غربية. لم يعد السؤال يتعلق بإسرائيل وحدها، بل بالقوى الغربية التي قدمت القنابل، والغطاء الدبلوماسي، وحق النقض (الفيتو) المعتاد. لقد جعل الغرب من نفسه شريكاً، وعليه الآن أن يواجه تبعات ما مكنه. وفي كتابه “أجور التمرد”، يكتب كريس هيدجز: “السؤال ليس ما إذا كانت إسرائيل ستنجو من هذه الحرب، بل السؤال هو ما إذا كانت روحها — إن بقيت لها روح — ستنجو”.
لقد شاهد الجيل الشاب في أوروبا وأمريكا الشمالية كل هذا عبر هواتفهم، في الوقت الفعلي، وبأعينهم المجردة. هم لم يعيشوا المحرقة (الهولوكوست)، ولا يشعرون بذنب موروث — وهم محقون في ذلك. فالذنب المتوارث، الذي يُستخدم كسلاح للشلل السياسي، ليس ذاكرة؛ بل هو تلاعب.
عندما حذرت الفيلسوفة اليهودية “حنا أريندط” من أن “تفاهة الشر” لا تكمن في الوحوش، بل في الموظفين الذين يتبعون الأوامر ويشيحون بوجوههم، لم تكن تتخيل أن كلماتها ستنطبق يوماً ما على الدولة التي أُنشئت في ظل ذلك الشر. لكن التاريخ لا يرحم في مفارقاته.
لقد خرج الملايين في مسيرات؛ لندن، باريس، نيويورك، برلين، جاكرتا، جوهانسبرغ. هذه الأعداد ليست حالة مزاجية عابرة، بل هي حكم دامغ. التعاطف مع فلسطين لم يعد موقفاً هامشياً يُهمس به في أروقة المجتمع المخملي؛ بل أصبح الموقف الأخلاقي المشترك لجيل جديد يرفض أن يرث صمت آبائه.
قال مارتن لوثر كينغ الابن: “قوس الكون الأخلاقي طويل، لكنه ينحني نحو العدالة”. وهو ينحني الآن — بألم، وبشكل لا رجعة فيه — باتجاه غزة.
ما دُمر في هذه الأشهر ليس مجرد بنية تحتية؛ بل هو آخر دعامات الأسطورة المفتعلة. انهار السرد الذي روجته إسرائيل عن نفسها تحت وطأة تناقضاتها. إن قبضة الصهيونية الخانقة على القوى الغربية والشعوب تمر الآن في سكرات الموت. الخوف من وصمة “معاداة السامية” بات يثير السخرية والضحك. إسرائيل اليوم هي الدولة الأكثر كراهية على وجه الكوكب، دولة منبوذة، معزولة ومحتقرة كدولة إبادة جماعية. لقد حققت “محرقة غزة” كل ذلك.
حتى القلاع المنيعة بدأت تتداعى. فالكونغرس الأمريكي — ذلك الحصن العتيد للدعم غير المشروط لإسرائيل، حيث كان نفوذ “أيباك” يجعل من المعارضة هرطقة تنهي المسيرة المهنية — لم يعد منيعاً. لقد اخترق الطوفان جدرانه، ولم يعد هناك ملاذ.
إن الدولة التي ترتكب ما صنفته محكمة العدل الدولية رسمياً بأنه “إبادة جماعية محتملة” تفقد أي حق في إرث أخلاقي. التناقض فجّ ومقزز، وقد طُبع الآن في شبكية عين العالم الذي يراقب، مشهداً بمشهد، وطفلاً بطفل، وركاماً بركام. لا يمكن لمكتب صحفي أن يمحو هذه الرؤية، ولا يمكن لدبلوماسي، مهما أوتي من بلاغة، أن يغسلها بخطاب مصاغ بعناية في الأمم المتحدة. الجرح أعمق من أن يُخاط. لقد فعلت الصهيونية ما لم يستطع أي عدو فعله — لقد التهمت أسطورتها، في نارها، وبيديها. والتاريخ، ذلك المحاسب الصبور الذي لا يرحم، قد فتح دفاتره أخيراً.
*كاتب واعلامي عراقي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

من هيروشيما إلى غزة وإيران.. بلطجة “الكاوبوي” في زمن الانهيار العالمي!

د. أحمد زياد أبو غنيمة* ابتداءً، ولأن أمانة الكلمة تقتضي وضوح الرؤية والموقف، وجب التأكيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *