الأربعاء , أبريل 15 2026
الرئيسية / اراء / الكرامة أولاً..!

الكرامة أولاً..!

د. رحمة حمدي شير*
عقدان من الزمان وإيران تفاوض الولايات المتحدة وتحديداً منذ عام 2004، شهد العالم واحداً وعشرين جلسة مفاوضات معقدة بين إيران والولايات المتحدة، كان الملف النووي الإيراني حاضراً بقوة على رأس جدول الأعمال. هذه الجولات الطويلة والمتشعبة لم تكن مجرد لقاءات دبلوماسية عابرة، بل اختباراً حقيقياً للإرادة الوطنية والحنكة السياسية. وما يميز التجربة الإيرانية الفريدة أنها استطاعت أن تحافظ على توازن دقيق بين الانخراط في الحوار والعملية الدبلوماسية من جهة، وبين التمسك الراسخ بالحقوق الوطنية وعدم تقديم تنازلات جوهرية حتى في أوج الضغوط وتبعات الحرب النفسية والاقتصادية. هذا النموذج الإيراني المتشدد – بمعنى الكلمة الإيجابي – في حماية المصالح العليا للشعب، يشكل درساً قيماً يجب على الدول العربية أن تتمعنه وتستلهمه في أي مفاوضات مستقبلية مع الغرب.
إن أبرز ما يميز المدرسة الدبلوماسية الإيرانية هو إدراكها العميق أن حقوق الشعوب ليست محصورة في لحظة سياسية راهنة، بل هي حقوق ممتدة لعقود، بل لأجيال قادمة. كل شرط قاسٍ يتم فرضه على وفد مفاوض، وأي تنازل يتم قبوله تحت ضغط الحصار أو التهديد، سينعكس سلباً على حياة الأبناء والأحفاد. إيران، بوعيها التاريخي وقراءتها الاستباقية للعبة القوى، تدرك أن التراخي اليوم يعني تقييد حرية الغد. لذلك، كانت إيران متصلبة بمواقفها الوطنية، ليس تعنتاً، بل إيماناً بأن السيادة والكرامة الوطنية خط أحمر، وأن التنازل عنها قد يؤدي إلى حرب – كما صرحت المادة – ولكن الإيرانيين فضلوا خيار الدبلوماسية الصامدة على خيار الاستسلام.
في صدارة هؤلاء الدبلوماسيين الذين جسدوا هذه المدرسة، يقف اليوم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي يعد بحق أحد أهم المفاوضين في تاريخ الجمهورية الإسلامية. عراقجي، الرجل الذي تعلم فنون التفاوض من مدرسة الصبر والثبات، استطاع أن يواصل المسير على نفس الطريق الذي خطه كل من الدكتور علي لاريجاني والدكتور كمال خرازي – وهما قامتان كبيرتان في تاريخ الدبلوماسية الإيرانية.
الدكتور علي لاريجاني، الذي قاد المفاوضات في أصعب فترات المواجهة بين 2005 و2007، تميز بقدرته على تفكيك الأزمات المعقدة وتحويل ملف التخصيب من ورقة ضغط أمريكية إلى حق إيراني ثابت. كان لاريجاني نموذجاً في الجمع بين الحدة السياسية والمرونة التكتيكية، مما فتح الطريق أمام الأجيال التالية.
الدكتور كمال خرازي، وزير الخارجية الأسبق ورئيس مجلس الاستراتيجية للعلاقات الخارجية، أسس لنظرية “الردع الدبلوماسي” التي ترى أن القوة التفاوضية تنبع من القوة العلمية والتكنولوجية. تحت قيادته، تعلمت إيران أن “الطاولة الخضراء” للتفاوض لا تليق إلا لمن يمتلك إرادة وعتاداً وطنياً قوياً.
عباس عراقجي، اليوم، يجمع بين خبرة لاريجاني في إدارة الأزمات ورؤية خرازي الاستراتيجية، مضيفاً إليها أسلوباً دبلوماسياً هادئاً وحازماً. في فيينا وعمان ومسقط، أظهر عراقجي أن حفظ الحقوق الوطنية لا يعني قطع جسور الحوار، بل استخدام الحوار كأداة لترسيخ تلك الحقوق.
عند تحليل مسار المفاوضات الإيرانية-الأمريكية، نجد ثلاثة عوامل جوهرية تفسر هذا النجاح:
1. فصل التكنولوجيا عن السياسة: نجحت إيران في إقناع العالم، بصمت وعمل، أن برنامجها النووي هو حق علمي وتقني لا يمكن ربطه بالصراعات السياسية. بينما تراجعت دول أخرى أمام الضغوط، قدمت إيران نموذجاً في “العلمنة السياسية” للملف النووي، أي جعله فوق المساومات الجيوسياسية.
2. الاستفادة من تناقضات الخصم: المدرسة الدبلوماسية الإيرانية، خاصة بجهود خرازي وعراقجي، أظهرت فهماً عميقاً للنسيج السياسي الغربي. فبينما تتصاعد أصوات الحرب في واشنطن، تتصاعد أصوات العقل في أوروبا. استغلت إيران هذه الفجوات لتأمين دعم أوروبي نسبي، مما أجبر الولايات المتحدة على العودة إلى طاولة المفاوضات مراراً وتكراراً.
3. وحدة الصف الداخلي خلف المفاوض: على عكس ما يروج له الإعلام الغربي، فإن الدعم السياسي والشعبي للمفاوضين الإيرانيين (لاريجاني سابقاً وعراقجي حالياً) ظل قوياً، لأن الشعب الإيراني يرى نتاج هذا الصمود بأم عينيه: تخصيب اليورانيوم، والصواريخ الباليستية، والوجود الإقليمي القوي. هذا الدعم أعطى المفاوض ورقة ضغط هائلة: “إذا لم نتفق، فنحن أقوى مما كنتم تتخيلون”.
في عالم لا يرحم فيه سوى القوي، وتُختطف فيه حقوق الشعوب تحت مسميات “التطبيع” و”المرونة”، تبرز التجربة الإيرانية كمنارة للدبلوماسية الكرامة. إن ما فعله عراقجي، وما أسسه لاريجاني وخرازي، هو أن التفاوض ليس فن تقديم التنازلات، بل هو فن تأكيد الثوابت. على الدول العربية، إن أرادت أن تحافظ على مستقبل أبنائها وأحفادها، أن تتعلم من إيران كيف تتفاوض دون أن تبيع حاضرها أو ترهن غدها. إن حقوق الشعوب، كما تثبت إيران كل يوم، لا تُمنح على طبق من ذهب، بل تنتزع بصبر المفاوض ووحدة الصف الوطني.
*كاتبة وباحثة سياسية سورية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

المفاوضات.. استراحة محارب!

  مطهر الأشموري* ما يحدث في ومع لبنان، هي لعبة إسرائيلية أمريكية، مهما حاول الرئيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *