الثلاثاء , أبريل 21 2026
الرئيسية / اراء / هكذا تُصنع السياسة تُدار الأزمات!

هكذا تُصنع السياسة تُدار الأزمات!

د. ميساء المصري*
في الدول المستقرة تُصنع السياسة من داخلها، أما في الدول الواقعة على خطوط التماس، فتُدار السياسة بوصفها استجابة مستمرة للأزمات. والأردن اليوم يقف في المنطقة الرمادية بين الحالتين، دولة تحاول أن تبقى فاعلة في إقليم مضطرب، لكنها في الوقت ذاته تعاني من معضلة داخلية تتعمق بصمت، عنوانها إعادة تشكيل المجال السياسي تحت ضغط الخارج وتناقضات الداخل.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة التحول من حزب جبهة العمل الإسلامي إلى حزب الأمة بوصفه مجرد تغيير شكلي أو استجابة قانونية. ما جرى أعمق من ذلك بكثير، إذ يعكس لحظة سياسية مركبة يتقاطع فيها القانوني مع الإقليمي، والداخلي مع الخارجي، في مشهد يعيد طرح سؤال الدولة وحدود إدارتها للتوازنات.
التيار الإسلامي، الذي كان لعقود أحد أعمدة الحياة السياسية المنظمة في الأردن، لم يختفِ، بل أعاد تموضعه. تغيير الاسم لا يعني تغيير الفكر، كما صرّح قادته، بل يشير إلى محاولة تكيّف ذكي مع بيئة سياسية وقانونية جديدة، خصوصاً في ظل ضغوط دولية متزايدة على الحركات ذات المرجعية الإسلامية في المنطقة. هنا، لا نتحدث عن تراجع، بل عن إعادة إنتاج.
لكن المفارقة الأهم لا تكمن في ما فعله التيار، بل في كيف ساهمت الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر في إعادة تشكيل صورته. فحين يُدفع أي تيار سياسي إلى الزاوية القانونية أو السياسية، فإنه غالباً ما يخرج منها بصورةال ضحية، وهي صورة أثبتت التجارب أنها الأكثر قدرة على استقطاب التعاطف الشعبي. هذه ليست قراءة عاطفية، بل قاعدة سياسية راسخة، الجمهور يميل إلى من يعتقد أنه تعرّض للاستهداف.
وهنا تتجلى المعضلة: هل كانت الدولة تضبط المجال السياسي، أم أنها دون قصد أعادت تنشيط أحد أقوى خصومها التقليديين؟
السؤال ليس بسيطاً، لأن نتائجه قد تظهر في أي استحقاق انتخابي مقبل، حيث يتحول الضغط إلى رصيد، والاستهداف إلى شرعية.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا التحول الداخلي عن السياق الإقليمي الأوسع. فالأردن، الذي يجد نفسه في قلب إعادة تشكيل المنطقة، يواجه ضغوطاً متزايدة لإعادة ترتيب بيته الداخلي بما يتوافق مع تحولات الخارج. وهنا تحديداً، يصبح المجال السياسي ليس فقط شأناً داخلياً، بل جزءاً من معادلة إقليمية أكبر، تُعاد فيها صياغة الأدوار والتحالفات.
هذا التداخل بين الداخل والخارج يضع الدولة أمام معادلة شديدة الحساسية، كيف تحافظ على استقرارها السياسي دون أن تُغلق المجال العام؟ وكيف تدير التعددية دون أن تتحول إلى ساحة صراع مفتوح أو إلى فراغ سياسي يُملأ ببدائل غير محسوبة؟
في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن ما يحدث سياسياً يتقاطع مع ضغوط اقتصادية وأمنية غير مسبوقة. فالأردن الذي يواجه تحديات في الطاقة والمياه والاقتصاد، يجد نفسه مضطراً لإدارة كل هذه الملفات بالتوازي مع إعادة ضبط المشهد السياسي الداخلي. وهذا التزامن ليس تفصيلاً، بل عنصر ضغط إضافي قد يدفع نحو قرارات سريعة، لكنها ليست بالضرورة الأكثر استدامة.
هنا تحديداً، يظهر جوهر الإشكالية، هل تُدار السياسة في الأردن بمنطق الاستباق، أم بمنطق رد الفعل؟ التحولات الأخيرة توحي بأن جزءاً كبيراً من إدارة المشهد ما زال قائماً على الاستجابة للضغوط، لا على بناء رؤية متكاملة للمستقبل السياسي.
وفي خضم ذلك، يتغير سلوك الشارع أيضاً. فالمواطن الأردني، الذي يواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، لم يعد ينظر إلى الأحزاب من زاوية أيديولوجية فقط، بل من زاوية قدرتها على تمثيل مصالحه. وهذا يعني أن أي تيار، بما في ذلك التيار الإسلامي بصيغته الجديدة، قد يجد مساحة أوسع إذا نجح في تقديم نفسه كمدافع عن القضايا اليومية، لا مجرد حامل لخطاب سياسي تقليدي.
لكن هذا يفتح باباً آخر أكثر تعقيداً، هل نحن أمام إعادة إحياء الحياة السياسية، أم أمام إعادة تدويرها بأسماء جديدة؟ الفرق بين الحالتين جوهري. الإحياء يعني تطويراً حقيقياً في البرامج والرؤى، أما إعادة التدوير فتعني بقاء الأزمة كما هي، مع تغيير في الشكل فقط.
في المحصلة، لا يمكن اختزال ما يحدث في الأردن اليوم بقرار حزبي أو إجراء قانوني. نحن أمام لحظة سياسية تعيد طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة،
من يحدد شكل الحياة السياسية؟؟وهل الدولة قادرة على إدارة التعددية دون أن تُنتج خصوماً أقوى؟ وهل يمكن تحقيق توازن بين الاستقرار والانفتاح في بيئة إقليمية شديدة التقلب والصراع ؟
الأردن، كما يبدو، لا يواجه فقط تحديات الخارج، بل يختبر أيضاً قدرته على إعادة تعريف عقده السياسي الداخلي. وبينما تتجه المنطقة نحو مزيد من السيولة السياسية، يصبح الرهان الحقيقي ليس على ضبط اللحظة، بل على القدرة على استيعاب التحولات دون كسر التوازن.
في النهاية، قد لا يكون أخطر ما في المشهد هو صعود تيار أو تراجع آخر، بل غياب رؤية واضحة لكيفية إدارة هذا الصعود والتراجع. فالدول لا تُقاس بقدرتها على السيطرة المؤقتة، بل بقدرتها على بناء نظام سياسي مرن، قادر على احتواء الاختلاف دون أن يتحول إلى أزمة دائمة.
وهنا، يقف الأردن مرة أخرى أمام سؤاله الأعمق،هل يدير السياسة ..أم يدير تداعياتها؟
*كاتبة سياسية اردنية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين يضيق مضيق تايوان.. اختبار حدود القوة بين واشنطن وبكين!

المحامية. رحمه العزه* يشكل مضيق تايوان إحدى أخطر بؤر التوتر الجيوسياسي المحتملة، حيث تتقاطع اعتبارات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *