السبت , أبريل 25 2026
الرئيسية / اراء / العروبة بين قوسين!

العروبة بين قوسين!

سارة محمد مرزوڨي*
كانت الحكاية تبدأ من مطار، لا من خطاب سياسي. في مطار دمشق الدولي، كان هناك “رواق أخضر” غير مكتوب، ممرّ رمزي يعبره العربي وهو مطمئن إلى أن جوازه ليس مجرد وثيقة سفر، بل بطاقة انتماء. لم يكن ذلك امتيازاً قانونياً بقدر ما كان تعبيراً عن مزاج عام يرى في العربي قريباً لا غريباً، حتى وإن بقيت التفاصيل خاضعة لإجراءات الدولة.
اليوم، تتبدّل الصورة. مع صعود السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، لم يعد المرور مسألة انتماء، بل مسألة استيفاء شروط: تأشيرة، وكفيل، وربما ما هو أبعد من ذلك. لكن الأكثر إثارة للانتباه ليس الإجراء في حد ذاته، بل طبيعته الانتقائية: فهو لا يُطبّق على الجميع، بل يمسّ—بصورة أساسية—مواطني المغرب العربي.
هنا تتكثف المفارقة.
فإذا كان “الرواق الأخضر” القديم يقوم—رمزياً على الأقل—على فكرة المساواة بين العرب، فإن النظام الجديد يعيد ترتيب هذه المساواة على نحو غير معلن، وكأن الجغرافيا العربية لم تعد متصلة كما في المخيال، بل مجزأة إلى دوائر قرب وبُعد، ثقة وارتياب. يصبح المغربي أو الجزائري أو التونسي أو الليبي، في هذا السياق، أقرب إلى “الآخر البعيد” منه إلى “الشقيق القريب”.
في الرواق القديم، كان السؤال الضمني: “من أين أتيت؟”
أما اليوم، فالسؤال الحقيقي أصبح: “من يضمنك؟… ولماذا أنت تحديداً؟”
ذلك “التحديد” ليس تفصيلاً تقنياً، بل مفتاح القراءة. فحين يُفرض الإجراء على فضاء بعينه—المغرب العربي—فإن الأمر يتجاوز منطق السيادة العامة إلى منطق التصنيف. تصنيف صامت يعيد رسم الخريطة الذهنية للعالم العربي: شرقٌ يُعيد تعريف نفسه، وغربٌ يجد نفسه فجأة خارج “الهامش الآمن”.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن إرث الحرب الأهلية السورية، التي خلقت حساسية مفرطة تجاه مسارات العبور والهويات المتحركة. لكن حتى ضمن هذا السياق، يبقى السؤال مشروعاً: لماذا يُختزل فضاء كامل في زاوية الاشتباه؟ ولماذا تتحول المسافة الجغرافية إلى مسافة ثقة؟
نظام الكفيل، في هذه الحالة، لا يعمل فقط كأداة تنظيم، بل كآلية غربلة اجتماعية غير معلنة. إنه لا يطلب منك فقط أن تكون مسافراً، بل أن تكون “مكفولاً”، أي أن تُقدَّم من داخل البلد، وكأن الانتماء العربي لم يعد جواز عبور، بل يحتاج إلى تزكية محلية.
السخرية هنا ليست في الإجراء ذاته، بل في دلالته:
أن العروبة، التي كانت—ولو خطابياً—جسراً، أصبحت اليوم تمر عبر بوابة ضيقة، لا يُسمح للجميع بعبورها بنفس الشروط.
بين الرواق الأخضر ونظام الكفيل، لا يكمن الفرق فقط في الإجراءات، بل في المعنى. هناك، كان العربي يعبر لأنه “ينتمي”. هنا، يعبر لأنه “مُصنَّف ضمن فئة تحتاج إلى ضمان”.
وهكذا، تُكتب العروبة من جديد…
لكن هذه المرة بين قوسين، ومع ملاحظة صغيرة في الأسفل:
(يُشترط وجود كفيل… خاصة إن كنت قادماً من الضفة الأخرى من العالم العربي).
*كاتبة جزائرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

آليات عزل إسبانيا.. وأزمة جزر فوكلاند!

د.عبد الحكيم سليمان وادي* في أبريل 2026، تسربت مذكرة داخلية من أروقة البنتاغون إلى وكالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *