السبت , أبريل 25 2026
الرئيسية / اراء / قتل الشهود!

قتل الشهود!

جعفر الأحمر*
أخيرا، نفذت إسرائيل تهديداتها للصديقة العزيزة الصحافية آمال خليل، فاغتالتها يوم الأربعاء 22 نيسان 2026 بغارة جوية أثناء قيامها بعملها الصحافي في بلدة الطيري جنوب لبنان، كما أُصيبت معها الزميلة زينب فرج، في اعتداء جديد على الصحافيين من قبل العدو الإسرائيلي، بانتهاك فاضح لكل القوانين والمواثيق الدولية. وجاء اغتيال آمال بعد تلقيها عدة رسائل تهديد من الموساد الإسرائيلي تراوحت بين طلب التوقف عن التغطية الإعلامية في الجنوب، وصولاً إلى طلب الخروج من لبنان أو “فصل الرأس عن الجسد” كما قالت.
حين يُقتل الشاهد لأن الحقيقة تُزعج القاتل
لم تكن أمال خليل مجرد مراسلة ميدانية. كانت ابنة الجنوب التي تعرف طرقاته، بيوته، ناسه، ووجعه. مراسلة جريدة “الأخبار” اللبنانية في الجنوب، وواحدة من أنشط الصحافيين اللبنانيين في تغطية الاعتداءات الإسرائيلية، ومرجعاً لزملائها بحكم إقامتها في بلدتها البيسارية في قضاء صيدا.
كانت تعرف أن عملها محفوف بالخطر، لكنها كانت تؤمن أن نقل الحقيقة واجب لا يمكن التراجع عنه.
قبل عام، تعرضت لإطلاق نار في منطقة الوزاني ونجت. وقبل أشهر، حرّضت عليها القوات الإسرائيلية بعد انتشار فيديو لها وهي تطعم قططاً جائعة بين الركام في بلدة أنصارية. كانت تلك اللقطة كافية لتكشف شيئاً من روحها: قلب يفيض حناناً على كل كائن ضعيف. كانت تتوقف في الطرقات لتربّت على الكلاب الضالة، وتترك طعاماً للقطط التي اعتادت انتظارها كل صباح. تعاملها كأصدقاء صغار، تمنحهم أماناً ودفئاً يشبهان روحها الرحيمة.
في يوم استشهادها، كانت أمال برفقة المصوّرة زينب فرج، تتوجهان عبر طريق حداثا – الطيري – بنت جبيل لتغطية آثار غارة إسرائيلية سابقة. طريق يعرفه الصحافيون جيداً، ويعرفون أنه قد يتحول في أي لحظة إلى مصيدة موت.
أثناء مرور سيارتهما في الطيري، استهدفت طائرة إسرائيلية مركبة كانت تسير بمحاذاتهما، فقتل من فيها. توقفت آمال وزينب، خرجتا من السيارة، واحتمتا قرب شجرة. لكن الغارة الثانية لم تمهلهما. ركضتا نحو مبنى قريب للاحتماء، قبل أن تأتي الغارة الثالثة لتصيب المبنى مباشرة وينهار فوقهما.
نجت زينب بأعجوبة، ونُقلت إلى مستشفى تبنين بعد عملية جراحية في الرأس والقدم. أما آمال، فبقيت تحت الركام.
ولم تكتفِ إسرائيل بقتلها، بل منعت فرق الإسعاف من الوصول إليها، عبر استهداف محيط الموقع وإطلاق النار على سيارات الإسعاف. استغرق الأمر أكثر من أربع ساعات من الاتصالات بين الجيش اللبناني واليونيفيل و “الميكانيزم” (الآلية الأميركية للتواصل) قبل السماح لفرق الإنقاذ بالوصول. حين وصلوا، كانت آمال قد فارقت الحياة.
روى عناصر الدفاع المدني أنها بقيت على تواصل معهم بعد الغارة الأولى، وأن آخر ما قالته قبل انقطاع الاتصال:
“أنا ناطرة الجيش اللبناني يأتي ليخلصنا.”
كانت تنتظر النجدة. لكن القاتل كان أسرع.
تهديدات مسبقة: حين تُصبح الحقيقة جريمة
لم يكن اغتيال أمال حادثاً عشوائياً. فقد تلقت تهديدات مباشرة من الموساد الإسرائيلي على هاتفها.
في خريف 2024 وصلتها رسالة تقول: “لماذا لا تسافرين إلى قطر حيث يقيم أخوك؟ لماذا تريدين أن يُفصل الرأس عن الجسد؟”
كانت تعرف أن التهديد جدي. لكنها كانت أكثر وضوحاً من خوفها:
“هؤلاء (اسرائيل) يريدون منعي من القيام بعملي. فهل يُفترض أن أستسلم؟”
أمال لم تستسلم. فدفعَت حياتها ثمناً.
اغتيال أمال يشبه الى حد بعيد اغتيال الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة في 11 أيار 2022، التي استشهدت برصاص الجيش الإسرائيلي رغم ارتدائها سترة الصحافة.
القاتل واحد، والمنهج واحد: إسكات الشاهد.
استهداف اسرائيل الصحافيين: سجلّ دموي مفتوح
اغتيال أمال ليس حادثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة طويلة من استهداف الصحافيين في لبنان منذ 7 أكتوبر 2023:
15 صحافياً استشهدوا في لبنان جراء الاعتداءات الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023.
18 صحافياً أُصيبوا خلال الفترة نفسها.
في 28 آذار 2026، استشهد الصحافيان علي شعيب وفاطمة فتوني وشقيقها المصوّر في غارة قرب جزين.
وفي 18 آذار 2026، استشهد الصحافي محمد شري وزوجته في غارة استهدفت منزلهما في زقاق البلاط في بيروت.
وترافقت هذه الاعتداءات الاسرائيلية مع سلسلة واسعة من الانتهاكات التي وثّقتها تقارير ميدانية وحقوقية، أبرزها:
استمرار عمليات تجريف ممنهجة لمنازل في العديد من القرى الجنوبية، في مشهد بات يتكرر يومياً مع استخدام جرافات ضخمة وتفجيرات تُسمع أصداؤها في مختلف البلدات.
وفي بلدة دبل الجنوبية، ظهر جندي إسرائيلي في مقطع مصوّر وهو يحطّم رأس تمثال للسيد المسيح بعد إسقاطه عن صليبه، ما أثار موجة غضب تخطّت لبنان ووصلت إلى منصّات دولية اعتبرت الحادثة مساساً صارخاً بالرموز الدينية.
كذلك، كشفت صحيفة هآرتس الاسرائيلية عن شهادات لجنود وقادة ميدانيين تحدثوا عن عمليات نهب واسعة لممتلكات المدنيين في القرى الجنوبية، شملت دراجات نارية وأجهزة تلفزيون ولوحات فنية وأثاثاً منزلياً، في ظاهرة قالت الصحيفة إن القيادة العسكرية على علم بها.
يذكر ان اسرائيل لم تلتزم مطلقا باتفاق وقف النار الموقّع في 27 تشرين الثاني 2024، إذ واصلت عملياتها العسكرية في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، ما أسفر عن مقتل المئات وإصابة الآلاف.
هذا ليس صراعاً عسكرياً فقط. إنه صراع على الرواية.
والصحافي هو حامل الرواية.
لذلك يُستهدف.
حين يغيب الشاهد ويبقى الضوء
الدور الحقيقي لأمال كان أن تكون شاهدة على الحقيقة. شاهدة على الاعتداءات الإسرائيلية، وشاهدة على صمود الناس، وشاهدة على تعب الجنوبيين وأفراحهم وأحزانهم. شاهدة على أن هناك ما يستحق التضحيات.
لم تكن أمال مجرد زميلة. كانت روحاً مضيئة مارست مهنتها باحترافية وصدق وأمانة. عصامية متواضعة، بنت طريقها بصمت جميل وضمير لا يساوم. وكان لها من اسمها نصيب، تنثر الأمل أينما حلّت.
ما إن علمتُ بعد ظهر الأربعاء بأن أمال قد تعرّضت للاستهداف، حتى استبدّ بي خوف غريزي. سارعتُ إلى الاتصال بها فوراً، ثم أرسلتُ رسالة تلو الأخرى، أبحث عن أي إشارة حياة، عن أي ردّ مهما كان بسيطاً. لكن الصمت كان الجواب الوحيد. وللمرة الأولى، لم تُجب أمال على اتصالاتي ولا على رسائلي، وبدأ القلق يتحوّل إلى رعب ثقيل في صدري. كانت آخر رسالة بعثتُها إليها عند الساعة 3:24 بعد الظهر تقول: “قلوبنا معكِ ❤️❤️❤️❤️” — دعاء أكثر منه طمأنة، كتبته وأنا أتمسّك ببقايا أمل أن تقرأه.
يا أمال، غيابك وجع لا يهدأ، وصدى حضورك ما زال يملأ الجنوب صدقاً وعزماً وشجاعة.
كنتِ أملاً يمشي بين الناس، يكتب الحقيقة بيد ثابتة وقلب لا يساوم.
لعل موتك يوقظ العالم على الظلم الذي يعانيه لبنان، ويفتح نافذة نحو سلام يحتاجه هذا البلد الصغير.
عهداً، ستبقين أنتِ وزملاؤك الشهداء، أحياء في قلوبنا وفي ذاكرة المهنة التي أحببتِها حتى النهاية.
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

آليات عزل إسبانيا.. وأزمة جزر فوكلاند!

د.عبد الحكيم سليمان وادي* في أبريل 2026، تسربت مذكرة داخلية من أروقة البنتاغون إلى وكالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *