فؤاد البطاينة*
مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران تعني الاتفاق على مرجعية للمفاوضات. والتي تشكل المؤشر الحقيقي على جدية أي مفاوضات سياسية حيث بدون اتفاق المتفاوضين على الأهداف العريضة المراد الوصول اليها من التفاوض تكون المفاوضات عبثية لطرف واستخدامية للطرف الأخر، وهي الحالة التي كانت تجري عليها الجولة الأولى من المفاوضات بين أمريكا وإيران وانطلقت أمريكا من طاولتها الى الحرب. حيث كانت أمريكا فيها تخفي هدفها الحقيقي لعدم مشروعيته وتطرح شروطا تعجيزبة لتصنع ذريعة أمام العالم من أجل شن الحرب وفعلتها بموجب خطة انتهت بالفشل.وانتهى بها المطاف بالرضوخ إلى وضع مرجعية مشتركة للتفاوض.
هناك تساؤلات مشروعة عما إذا كانت مذكرة التفاهم وسيلة اتخذتها أمريكا من أجل هدنة مطلوبة تنتهي وتعود لخوض الحرب، أم أنها فعلا تُشكل القناعة بنهاية الحرب والتوجه الجاد للحل التفاوضي. ومن معرفة الحقيقة نتلمس الخطوة التالية لأمريكا التي لا تقبل الخسارة أمام إيران ولا بإيران عدوة لها. هنا نأخذ بالاعتبار مسألة التسلح النووي. فهذا الملف مفتعل ولا يشكل قضية لأمريكا تبرر شن حرب خطيرة، ولا هي قضية وطنية او قومية لأي دولة بالعالم، ولحلها طرق بالميثاق. أي أنها لن تكون عقية بالمفاوضات. فالمسالة لم تتعدى أن “اسرائيل” اتخذت من الملف النووي قضية تهدبد وجودي عليها وقدمتها لأمريكا لتكون الذريعة للحرب على إيران. وامريكا بدورها تبنتها كذربعة وشنت الحرب على ايران ولكن لهدفها الحقيقي وليس قناعة بادعاء اسرائيل.
وفي المحصلة أدركت أمريكا بأنها وقعت بشرك سيناريو الكيان وخاضت لجانبه حرباً على إيران اعتقدتها سهلة لاسقاط النظام الإيراني وتعيين نظام عميل لها، وفشلت. والمهم أدرك ترامب أنه بفعلته جعل من إيران الدولة الراسخة والمؤثرة في المنطقة وفي معادلة توازن القوى العالمية، عدوا عميقا لأمريكا وبما يهدد مصالحها ومستقبل العلاقات مع إيران ويؤجج مشاعر الغضب الشعبي والرسمي الأمريكي عليه وعلى إسرائيل. وهو ما دفع ترمب للتراجع والانسحاب من هذه الحرب بل وجعلها فرصة لرأب الصدع العميق مع إيران.
وعليه فإن أمريكا لم تنكسر بالحرب بل تراجعت وانسحبت منها حين علمت بأنها خُدعت وبأنها أمام دولة راسخة بنظام ممأسس بشكل متين لا يزيلها النووي وبأنها مختلفة عن دول المنطقة وأنظمتها، وبأن دولة مثل إيران لا تتعامل معها أمريكا كفريسة. ولهذا لا أعتقد بأن امريكا ستسعى لإفشال التفاوض القادم لتعود للحرب. بل ستسعى لبناء علاقات صداقة مع ايران بصرف النظر عن موقف إيران التقليدي. فما يسير الدول ليست المبادئ وحدها.
فمما لا شك فيه أن القناعة قد تولدت لدى أمريكا وغيرها بأن نظام إيران السياسي هو ذات طبيعة ديمقراطية فريدة أرقى وأمتن من الديمقراطية الغربية، وبأن المرشد هو في الواقع مرشداً ورمزاً متجددا بالوظيفة لا بالهيمنة. وأن صنع القرار ومن ثم اتخاذه ممأسسا بطريقة موزونة ومعبرة بشموليتها. ولولا هذه البنية السياسية للحكم لما صمدت ايران وبقيت متماسكة وعلى ذات مبادئها أمام عقود من الحرب والحصار عليها. ولما صمدت تحت أي معيار عسكري أو سياسي امام الحرب الأخيرة ذات الثقل العسكري والتكنولوجي الهائل وأثارها التدميرية التي أودت بالمرشد وبرموز النظام. وهذا ما عبر عنه العقل الباطن لترمب من خلال عبارته “لا يوجد في إيران من نتفاوض معه، لدهشته ولجهله بالحقيقة التي اكتشفها.
الرؤية الثالثة
ومن قبيل العصف الذهني وبناء على ما تقدم أقول، إذا تخلت أمريكا فعلا فكرة العودة للحرب على إيران فسيكون تفسير هذا التراجع الأمريكي أمام إيران ليس ضعفاً بالطبع بل مرتبطاً برغبة ترمب في تدارك الضرر العميق وتحقيق نصر استراتيجي من حرب خاسرة لا يريد مواصلتها، وذلك بالسعي “لسلام وصداقة وتعاون” مع إيران قائماً على المساواة بالسيادة،وربما بمعزل عن علاقات أمريكا مع “اسرائيل “. فأمريكا لا تقبل متحد لمصالحها في الشرق الأوسط، ولا تقبل أن تكون إيران كقوة إقليمية مميزة بوسائل القوة الطبيعية حليفة لآخرين في منطقة تعتبرها تحت نفوذها. أما إن فشلت في هذا فستعود للعقوبات لا للحرب. ولذلك علينا أن لا نستبعد قبول إيران مدفوعة بمصالحها حين لا تتعارض مع مبادئها وبعد أن خذلها الجميع لأنها الشريفة الوحيدة التي كشفت عار نساء القرية.
وفي حال أن تحقق مثل هذا فستكون له انعكاسات العد التنازلي على إسرائيل، وأخرى خطيرة على دول المنطقة العربية تفرض عليها برامج تكييف سياسي، أنظمتها ليست أهلاً لها، ولا شعوبها قادرة على فعل شيء ما لم ترفع أمريكا الغطاء عن هذه الأنظمة. وربما انعكاسات على محور المقاومة والمقاومة ككل، لكن أهم هذه الانعكاسات ستكون على القضية الفلسطينية. حيث لولا المقاومة وتبني إيران لها ووجود حماس قوية لما بقي للآن قضية فلسطينية. وهذان العاملان سيكونان محل غموض. ولينتبه الفلسطينيون، لقد أنهت أنظمة العرب على المقاومة وتركت السلطة الفلسطينية فريسة مستعبدة للكيان دون تدخل، وباتت القضية اليوم بيد الاحتلال وحده. وإيران لم ينلها من العرب سوى اوساخهم. العالم كله وقف مع الفلسطينيين على خلفية جرائم غزة، والفلسطينيون لم يقابلوا هذا بمشروع يحافظون به على هذا الدعم او على مسار القضية، فهل من حركة.
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر