الثلاثاء , يونيو 23 2026
الرئيسية / اراء / إعادة هندسة التوازن الإقليمي!

إعادة هندسة التوازن الإقليمي!

نجاح محمد علي*
يبدو حتى الآن أن المنطقة تتجه ، نحو مرحلة انتقالية تتجاوز منطق المواجهات التقليدية إلى منطق إعادة تشكيل البنية الإقليمية نفسها. فالمسألة لم تعد مرتبطة بنتائج جولات عسكرية منفصلة وافشال مشاريع خرائط الآخرين ، بل بكيفية تحويل تلك النتائج إلى قواعد مستقرة تُعيد تعريف موازين القوة، وتفرض نمطاً جديداً من الردع المتبادل بين الفاعلين الرئيسيين في غرب آسيا.
في قلب هذا التحول، تبرز إيران بوصفها طرفاً يسعى إلى تثبيت معادلة جديدة تقوم على تحويل المكاسب الميدانية إلى بنية سياسية–أمنية دائمة. ويقوم هذا التوجه على تصور عملي لـ«وحدة الساحات»، حيث لا تُدار الجبهات كملفات مستقلة، بل كمنظومة مترابطة تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية. وضمن هذا الإطار، يكتسب لبنان موقعاً مركزياً باعتباره نقطة وصل بين عمق الردع الإيراني وساحات الاحتكاك المباشر مع الكيان الصهيوني، ما يجعله عنصراً وظيفياً في معادلة أوسع لا تقتصر على حدوده الجغرافية.
هذا الترابط ينعكس في طبيعة الرسائل الاستراتيجية المتبادلة في المنطقة، حيث تتحول أدوات الضغط الإقليمية—بما فيها التحكم في الممرات البحرية الحساسة مثل مضيق هرمز—إلى جزء من شبكة ردع شاملة. الهدف هنا ليس الاستخدام الفعلي المباشر، وإنما بناء قدرة ردع متعددة الطبقات تجعل أي محاولة لفرض وقائع جديدة في لبنان أو غيره مكلفة على مستوى الإقليم بأكمله. بهذا المعنى، يصبح البحر والبر والجبهات السياسية حلقات في منظومة واحدة، لا ساحات منفصلة.
وتؤكد إيران في هذا السياق أن لا يمكن إنهاء الحرب إلا بالنصر، وليس بالاستسلام والخضوع. فالتجارب التأريخية، مثل معاهدتي تركمانجاي وغولستان، تُظهر بوضوح أن «السلام بأي ثمن» غالباً ما يؤدي إلى تحقير وطني وتجزئة للسيادة ووصمة تأريخية طويلة الأمد. لذا، يرى الخطاب الاستراتيجي الإيراني أن أي تسوية يجب أن تكون مبنية على حفظ الكرامة الوطنية والمكاسب الميدانية، وليس على التنازل عنها. هذا المبدأ يتحول إلى ركيزة أساسية في بناء نظام الردع الجديد، حيث يصبح النصر ليس مجرد هدف عسكري، بل شرطاً سياسياً واستراتيجياً لأي ترتيب إقليمي مستقر.
وتعزز هذه الرؤية الاستراتيجية من خلال تطوير قدرات عسكرية وتكنولوجية محلية، مثل تطوير الصواريخ الباليستية والمسيّرات، إلى جانب شبكات التحالفات مع قوى المقاومة في مختلف الساحات. هذا النهج يسمح لإيران بتحويل المواجهات المباشرة أو غير المباشرة إلى فرص لتعزيز الترابط بين الجبهات، مما يخلق تأثيراً مضاعفاً يمتد من خليج فارس إلى البحر المتوسط، ويجعل أي عدوان إقليمي يواجه ردوداً متسقة ومتناسقة.
في المقابل، تشير قراءات متعددة داخل مراكز القرار في الكيان الصهيوني إلى أن هذا التحول لا يمر دون تداعيات استراتيجية عميقة. فانتقال الملف اللبناني من إدارة صدام مفتوح إلى مسار أكثر ضبطاً عبر تفاهمات دولية، خاصة بين واشنطن وطهران، يعيد تعريف هامش حركة الكيان الصهيوني . لم يعد الصراع يُدار فقط بالرؤية الصهيو أمريكية عبر التفوق العسكري المباشر، فقد أصبح يُوجَّه في الحرب الأخيرة عبر توازنات سياسية أوسع تُفرض من خارج ساحة الاشتباك نفسها، ما يضعف إمكانية الحسم الأحادي ويزيد من كلفة التصعيد.
ضمن هذا السياق، تظهر الشروط الإيرانية بوصفها محاولة لترجمة هذا التحول إلى صيغة تفاوضية شاملة، لا تقتصر على وقف العمليات العسكرية على كافة الجبهات ، لأنها امتدت إلى إعادة هيكلة البيئة الإقليمية المحيطة بها. فرفع القيود البحرية، وتثبيت السيطرة على الممرات الاستراتيجية، وإلغاء العقوبات، ومعالجة الملفات العالقة، كلها عناصر في تصور واحد يهدف إلى تثبيت موقع إيران كفاعل مركزي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.
غير أن نجاح هذا المسار لا يتوقف على طرف واحد، فهو يرتبط بتفاعل مجموعة من القوى الإقليمية والدولية. هنا ، موقف دول المنطقة ، وعلى رأسها دول مجلس التعاون الخليجي، يمثل عاملاً حاسماً في تحديد شكل النظام الناشئ، إذ إن درجة انخراطها أو ابتعادها عن هذا التحول ستحدد ما إذا كان النظام الجديد سيأخذ طابع الاستقرار أو سيبقى في حالة إعادة تشكل مستمرة. وفي الوقت نفسه، يبقى الموقف الأمريكي عنصراً مركزياً، لكنه محكوم بتوازن دقيق بين إدارة النفوذ التقليدي في المنطقة والبحث عن تفاهمات تقلل من احتمالات الانفجار المفتوح.
ورغم الحديث عن مسارات تفاهم، فإن العلاقة بين طهران وواشنطن لا تزال بعيدة عن أي صيغة تطبيع شامل. فالتأريخ السياسي المثقل بالصراعات وفقدان الثقة نهائياً بعد حربي غدر و اغتيالات طالت القائد الأعلى للبلاد بعد انسحاب غير مبرر من الاتفاق النووي ، إضافة إلى ملفات أمنية حساسة، يجعل من أي تقارب استراتيجي عملية معقدة ومشروطة بتنازلات عميقة لم تتبلور بعد. لذلك، يبدو أن ما يجري ليس مصالحة، بل إدارة صراع ضمن مستويات أقل حدة وأكثر تنظيماً.
في النهاية، يمكن القول إن المنطقة تتحرك نحو نموذج إقليمي جديد يقوم على إعادة توزيع القوة بدل احتكارها، وعلى تحويل أدوات الصراع إلى أدوات ضبط استراتيجي. غير أن هذا النموذج ما يزال في طور التشكل، ومحكوم بتوازنات هشة بين القوى الكبرى والإقليمية، ما يجعل مستقبله مفتوحاً على احتمالات الاستقرار أو إعادة التصعيد، بحسب قدرة الأطراف على تحويل الردع المتبادل إلى قواعد مستقرة بدل كونه حالة مؤقتة.
و رغم المؤشرات المتزايدة على انفتاح تدريجي في مسار التفاهمات، وما رافقها من خطوات تخفيف جزئية في بعض ملفات العقوبات، فإن هذا المسار لا يزال عملياً في نطاق الإجراءات التنفيذية القابلة للتبدل، لا في إطار التزامات قانونية ملزمة. وهنا تبرز نقطة ضعف جوهرية: أي تفاهم لا يُترجم إلى تشريعات واضحة ومُلزمة داخل البنية القانونية الأمريكية، خصوصاً عبر الكونغرس، يبقى عرضة لإعادة التفسير أو الإلغاء مع تغيّر الإدارة أو تبدّل الأولويات السياسية. لذلك، فإن الحديث عن «انفراج» لا يمكن فصله عن شرط الاستدامة القانونية، وإلا فإنه يبقى انفتاحاً تكتيكياً أكثر منه تحولاً استراتيجياً.
وبناءً عليه، فإن الفترة المقبلة—وخلال ماتبقى من الستين يوماً القادمة تحديداً—مرشحة لأن تشهد اختبارات حقيقية لهذا المسار، سواء عبر تقدم في التفاوض أو عبر ارتدادات مفاجئة تعيد خلط الأوراق. فالتجارب السابقة تُظهر أن مثل هذه المراحل الانتقالية غالباً ما تحمل في طياتها مفاجآت غير محسوبة، سواء نتيجة ضغوط داخلية في واشنطن، أو اعتراضات من أطراف إقليمية، أو حتى إعادة تقييم مفاجئ لشروط التفاهم. وعليه، فإن ما يبدو اليوم كحالة انفتاح تدريجي لا يزال في جوهره هشّاً، ما لم يُحصَّن بقرارات تشريعية دائمة تُحوِّله من تفاهمات مؤقتة إلى التزامات استراتيجية غير قابلة للتراجع.
*كاتب وباحث عراقي متخصص في الشؤون الإيرانية والدولية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

السعودية والحقوق اليمنية المشروعة!

عبدالفتاح البنوس* يواصل النظام السعودي سياسة المراوغة والمماطلة والتسويف فيما يخص الالتزامات التي تضمنتها الهدنة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *