الخميس , يونيو 25 2026
الرئيسية / اراء / تأريخ التحول الكبير!

تأريخ التحول الكبير!

نجاح محمد علي*
في لحظة فارقة من التأريخ المعاصر، اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني وإيران في مطلع العام الحالي بعد سلسلة من التوترات الإقليمية وحرب مماثلة استمرت 12 يوماً . لقد تحولت هذه الحرب إلى مرآة كاشفة لتصدعات عميقة داخل بنية القوة الأمريكية نفسها، وإلى نقطة انطلاق نحو نظام دولي وإقليمي جديد، تتآكل فيه الهيمنة التقليدية وتتشكل توازنات أكثر تعقيداً ومرونة.
ما بدا في البداية محاولة لإعادة فرض السيطرة انتهى إلى تسوية أولية تُبقي على جوهر المصالح الإيرانية، بينما تكشف الداخلية الأمريكية عن نزيف صامت في الخبرة والمؤسسات.
الولايات المتحدة دخلت الصراع وهي تعاني من انقسام داخلي حاد ، تفاقم بسبب الحرب، داخل الحزب الجمهوري نفسه. فبينما كان الجناح المرتبط بالرئيس يدفع باتجاه مواجهة حاسمة، برزت أصوات أخرى داخل الكونغرس ومجلس الشيوخ تحذر من الانزلاق إلى مستنقع جديد، وتطالب بتقييد الصلاحيات التنفيذية في أي تصعيد إضافي. تحركات تشريعية متسارعة سعت إلى منع تخصيص أموال إضافية لاستمرار العمليات، وإلى إعادة تفعيل آليات الرقابة على قرارات الحرب، في مشهد يعكس تصدعاً غير مسبوق في الإجماع التقليدي حول السياسة الخارجية. هذا الخلاف لم يكن مجرد جدل حزبي، بل تعبيراً عن أزمة أعمق في القدرة على صياغة استراتيجية متماسكة.
الأخطر من ذلك كان النزيف داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية. استقالة الجنرال كريس دوناهيو، قائد الجيش الأمريكي في أوروبا وأفريقيا، جاءت في سياق موجة واسعة من الإقالات والاستقالات المبكرة لقادة كبار، بلغت أكثر من عشرين جنرالاً وأميرالاً في أشهر قليلة. هذه التحركات، التي وُصفت بأنها عملية إعادة هيكلة لصالح الولاء السياسي على حساب الخبرة المتراكمة، أحدثت ارتباكاً واضحاً في سلاسل القيادة والتخطيط. التذمر داخل الصفوف لم يعد خفياً؛ فقد أصبح الحديث عن فقدان الثقة المؤسسية وتراجع القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأمد أمراً شائعاً في أروقة البنتاغون. حين تُدفع الكفاءات خارج المشهد لصالح الاصطفاف السياسي، تتحول القوة العسكرية من أداة نفوذ إلى مصدر ارتباك داخلي.
في الوقت نفسه، كانت الدبلوماسية الأمريكية تسير على خطين متناقضين: مفاوضات تجري في الغرف المغلقة لتجميد الصراع وإعادة فتح مضيق هرمز، بينما تستمر محاولات الضغط والإضعاف على الأرض. هذا التباين لم يربك الخصوم فقط، لأنه أضعف ثقة الحلفاء التقليديين الذين وجدوا أنفسهم أمام شريك غير قادر على الالتزام باستراتيجية واحدة.
النتيجة كانت واضحة: الولايات المتحدة لم تعد تقود المشهد كما في السابق، بل أصبحت تتفاعل معه تحت ضغط انقساماتها الداخلية.
على الضفة الأخرى، شهد مجلس التعاون الخليجي تصدعات واضحة. دول المجلس التي تأثرت اقتصادياتها بإغلاق المضيق أو تهديداته، بدأت مراجعة حساباتها مع واشنطن. الاعتماد المفرط على الحماية الأمريكية أصبح موضع تساؤل، وبرزت اتجاهات نحو تنويع الشراكات الدفاعية والبحث عن توازنات جديدة أقل ارتباطاً بقرار واشنطن المتقلب. في الوقت ذاته، أظهرت بعض العواصم الخليجية انفتاحاً على إعادة ترتيب العلاقات مع طهران، في مشهد يعكس إدراكاً بأن الاستقرار الإقليمي يتطلب صيغاً جديدة لا تعتمد على طرف واحد.
في المقابل، حافظت إيران على تماسكها الداخلي بصورة لافتة. تحت قيادة السيد مجتبى الخامنئي، الذي تولى المسؤولية في أعقاب التحولات التي شهدتها البلاد، نجحت النخبة الإيرانية في ضبط الصفوف وتجاوز الخلافات التقليدية بين التيارات. الإصلاحيون ضعفوا، والمتشددون لم يتمكنوا من فرض رؤيتهم الرافضة لأي تسوية، بينما سيطر البراغماتيون المحافظون على مسار التفاوض. هذا التماسك سمح لطهران بتحويل أزمة وجودية محتملة إلى فرصة لإعادة تعريف نفوذها. تحول الاتفاق الذي تبلور من وقف لإطلاق النار، إلى إطار أولي يضع مبادئ عامة وإجراءات بناء ثقة، مع الإبقاء على حق التخصيب العملي مقابل تعليق نظري قد يمتد لسنوات طويلة، وترتيبات رقابية على المخزون تحت إشراف خبراء من الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جنسيات محددة تختارها طهران.
مضيق هرمز كان قلب الاتفاق الحقيقي. إيران لم تتخلَّ عن ورقتها الاستراتيجية، وبدلاً من ذلك سعت إلى تحويلها إلى مصدر شرعية ومكاسب اقتصادية من خلال ترتيبات ملاحية جديدة وتعاون مع سلطنة عمان وحضور خليجي رمزي. كما أصرت على ضمانات قوية، مستفيدة من تجربة 2015، فطرحت أفكاراً تشمل إشراك روسيا والصين كضامنين وتحويل الاتفاق إلى قرار ملزم من مجلس الأمن. هذا النهج يعكس إدراكاً عميقاً بأن أمن الطاقة العالمي أصبح مركز الثقل، لا الملف النووي.
لم يكن تأثير الصراع محصوراً في الخليج الفارسي. فقد كشف التورط الأمريكي المباشر، الذي حمل تكاليف سياسية وعسكرية ودبلوماسية باهظة، عن حدود القوة التقليدية. الدعم غير المشروط الذي كان يُنظر إليه سابقاً كمصدر قوة تحول في بعض التحليلات إلى عبء استراتيجي، حيث أصبح الحليف الأصغر يستخدم القوة بينما يتحمل الحليف الأكبر الكلفة. هذا الواقع أسهم في تسريع عملية إعادة تقييم العلاقات الإقليمية، وفي تعزيز قناعة بأن النظام القديم القائم على الاعتماد الأحادي لم يعد مستداماً.
النتيجة تتشكل بوضوح اليوم: الولايات المتحدة لم تعد القوة المهيمنة التي تفرض قواعدها دون منازع. بل أصبحت طرفاً يتفاوض تحت ضغط انقساماته الداخلية، بينما تبرز قوى إقليمية ودولية أخرى كلاعبين أكثر تأثيراً في ترتيبات الأمن والطاقة. إيران، رغم الضربات التي تلقتها، خرجت من الصراع محتفظة بقدرتها على التأثير في ممرات الطاقة العالمية، ومستعدة لتحويل نفوذها إلى مكاسب سياسية واقتصادية. دول مجلس التعاون تتحرك نحو توازنات أكثر تنوعاً. والكيان الصهيوني، الذي وجد نفسه جزءاً من معادلة أوسع، يواجه واقعاً جديداً تتآكل فيه الثقة بالدعم غير المشروط وتزداد فيه تكلفة الاعتماد على الخارج.
هذا ليس تراجعاً مؤقتاً، إنه بداية مرحلة جديدة في تأريخ النفوذ. حين تفقد الدولة الكبرى توازنها بين القوة والخبرة، وحين تتحول قراراتها إلى مصادر ارتباك داخلي، تتغير قواعد اللعبة. النظام الدولي الجديد لن يكون متعدد الأقطاب بالمعنى التقليدي فحسب، بل سيكون نظاماً تتداخل فيه المصالح والضمانات، وتفرض فيه الجغرافيا الاقتصادية والأمنية شروطها على السياسة. إيران أثبتت أن التماسك الداخلي والقدرة على تحويل الأزمة إلى فرصة يمكن أن يعيد تعريف موقع الدولة في الإقليم. أما الولايات المتحدة، فتواجه اليوم تحدياً وجودياً: إما استعادة التوازن بين مؤسساتها وقراراتها، أو الاستمرار في التفاعل مع عالم لم تعد تملك مفاتيحه وحدها.
الخلاصة التي تفرض نفسها الآن ليست تحليل ما حدث، إنه استشراف لما هو آتٍ. النظام الذي يتشكل لن يكون نسخة محسنة من السابق، بل صيغة جديدة تُكتب فيها قواعد النفوذ بمداد المصالح المتبادلة والتوازنات المرنة، لا بمداد الهيمنة الأحادية. ومن يدرك هذا التحول مبكراً، يستطيع أن يضع نفسه في موقع الفاعل لا المتلقي
*كاتب باحث وعراقي متخصص في الشؤون الإيرانية والإقليمية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

مذكرة التفاهم.. تتويجٌ لانتصار استراتيجي!

محمد محسن الجوهري* إن نكبة الأمة الإسلامية اليوم تتمثل في هيمنة الطغاة على القرار السيادي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *