الخميس , يوليو 2 2026
الرئيسية / اراء / كيف يُعيد العدو الإسرائيلي تشكيل لبنان ما بعد الحرب؟

كيف يُعيد العدو الإسرائيلي تشكيل لبنان ما بعد الحرب؟

العميد. محمد الحسيني*
ما تكشفه القراءة المتأنية للتحليلات الإسرائيلية لا يقتصر على تبدل في الخطاب، بل يعكس تحولاً في العقيدة السياسية والأمنية نفسها. فإسرائيل لا تتصرف اليوم باعتبار الحرب قد انتهت، بل باعتبارها دخلت مرحلة أكثر تعقيداً: مرحلة استثمار نتائج الحرب وتحويلها إلى وقائع دائمة. فالمعركة، في نظرها، لم تعد تدور حول احتلال أرض أو تدمير مواقع، وإنما حول إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية التي يتحرك فيها لبنان لعقود مقبلة.
حين تعجز القوة عن إنهاء الخصم، تعيد تعريف النصر. وهذا ما تفعله إسرائيل اليوم؛ فهي لم تعد تسعى إلى إنهاء حزب الله، بل إلى جعل استعادته لقوته مستحيلة أو باهظة الكلفة. ففي الأشهر الأولى من الحرب، ارتفع سقف الأهداف إلى حد الحديث عن القضاء على حزب الله وإنهاء دوره العسكري. أما اليوم، فقد انخفض هذا السقف إلى هدف أكثر واقعية وأشد خطورة في آن واحد: منع الحزب من استعادة قدراته، وإبقاء تعافيه العسكري والسياسي تحت رقابة وضغط دائمين. إنها نقلة من منطق الحسم إلى منطق الاحتواء، ومن محاولة إنهاء الخصم إلى إدارة وجوده بشروط جديدة.
لذا، لم يعد لبنان يُنظر إليه كجبهة مستقلة، بل كحلقة في منظومة إقليمية تتجاوز حدوده. فالساحة اللبنانية، في الرؤية الإسرائيلية، أصبحت المختبر الأول الذي ستُقاس فيه جدية أي تفاهم أمريكي–إيراني. ولذلك لم يعد الملف النووي وحده معيار نجاح المفاوضات، بل بات السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع طهران الحفاظ على نفوذها في لبنان؟ وهل تستطيع واشنطن منع إعادة إنتاج هذا النفوذ عبر حزب الله؟
هذا الربط بين لبنان وإيران يكشف أن إسرائيل لا تنظر إلى الجنوب اللبناني بوصفه مجرد حدود تحتاج إلى الهدوء، بل باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة المشروع الإيراني. لذلك فإن أي هدوء لا يُترجم إلى تغيير في موازين القوة يُنظر إليه بوصفه هدنة مؤقتة، لا تسوية مستدامة.
وفي هذا السياق، يبدو واضحاً أن المؤسسة الأمنية للعدو الإسرائيلي لا تعتبر أن الحرب حسمت الصراع، بل إنها غيّرت قواعده فقط. فالتقدير السائد هو أن حزب الله تلقى ضربة عسكرية ثقيلة أفقدته جانباً مهماً من قدراته التقليدية، لكنه لم يُهزم بوصفه تنظيماً سياسياً وعسكرياً. ولذلك لم يعد التحدي هو كيفية هزيمته، بل كيفية منع الزمن من العمل لمصلحته. فكل يوم يمر من دون رقابة وضغط، قد يتحول، وفق هذه القراءة، إلى فرصة لإعادة البناء واستعادة المبادرة.
بالتالي يصبح تنفيذ أي ترتيبات أمنية أكثر أهمية من توقيعها. فالوثائق والاتفاقات ليست، في المنظور الإسرائيلي، سوى نقطة انطلاق، أما النجاح الحقيقي فيُقاس بقدرتها على إنتاج واقع أمني جديد يمنع العودة إلى ما قبل الحرب. لذلك تُنظر إلى مرحلة ما بعد وقف النار باعتبارها الامتحان الأصعب، لأنها المرحلة التي ستحدد ما إذا كانت نتائج الحرب ستترسخ أم ستتآكل تدريجياً.
ويفسر ذلك أيضاً الإصرار على الاحتفاظ بحرية العمل العسكري. فالردع، وفق هذا التصور، لا يكتمل إلا إذا اقترن بإمكانية التدخل الاستباقي عند ظهور مؤشرات على إعادة التسلح أو إعادة التموضع. فالهدوء ليس هدفاً بحد ذاته، بل أداة لإدارة ميزان القوة، ولا قيمة له إذا تحول إلى غطاء لإعادة إنتاج التهديد الذي قامت الحرب أصلاً لتقليصه.
لكن اللافت أن هذا التشدد يقابله إدراك متزايد لحدود القوة العسكرية. فداخل التفكير الإسرائيلي تتبلور قناعة بأن الجيوش تستطيع تدمير البنية العسكرية، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج نظام سياسي جديد. ولذلك يتقدم البعد السياسي ليكمل ما بدأته الحرب. فالضغط العسكري، إذا لم يتحول إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للحياة، قد ينتهي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيداً، أو إلى استنزاف طويل لا ترغب إسرائيل في العودة إليه.
ومن هذا المنطلق، يُعاد تعريف دور الدولة اللبنانية، في الرؤية الإسرائيلية، بحيث تصبح الجهة التي يُعوَّل عليها في تثبيت النتائج الأمنية التي أفرزتها الحرب. غير أن هذا الرهان يبقى محاطاً بقدر كبير من الشك. فالمؤسسة الإسرائيلية لا تبدو مقتنعة بأن بيروت قادرة، بمفردها، على فرض احتكار الدولة للسلاح أو منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله. ولهذا، يجري التعويل على منظومة أوسع تضم الرقابة الدولية والضغوط الأمريكية، مع بقاء خيار التدخل الإسرائيلي قائماً إذا اعتُبر أن هذه المنظومة أخفقت في أداء مهمتها.
وفي هذا الإطار، يتجاوز الدور الأمريكي حدود الوساطة التقليدية. فواشنطن تُقدَّم بوصفها الضامن الفعلي للترتيبات الجديدة، والقوة الوحيدة القادرة على ربط تنفيذ الالتزامات اللبنانية بمسار التفاهمات الإقليمية مع إيران. وبذلك يتحول لبنان من ساحة نزاع محلية إلى جزء من معادلة استراتيجية أوسع، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التوازنات الإقليمية والدولية.
في المحصلة، لا يكشف الخطاب الإسرائيلي عن اقتراب نهاية الصراع، بل عن انتقاله إلى مستوى مختلف. فالحرب، من منظور تل أبيب، لم تعد تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالاتفاقات، وآليات الرقابة، والضغوط السياسية، والردع الوقائي. ولم يعد الهدف تدمير الخصم، بل إعادة صياغة البيئة التي يتحرك فيها، بحيث تصبح استعادة قوته أكثر كلفة وأقل احتمالاً.
لهذا، قد تكون الحرب قد توقفت على الحدود، لكنها لم تتوقف في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي. فالمعركة الحقيقية لم تعد على الجغرافيا، بل على الزمن: هل يمنح لبنان وإيران الوقت لإعادة بناء القوة، أم تنجح إسرائيل في تحويل الوقت نفسه إلى أداة استنزاف لخصومها؟
ومن هنا، فإن التحدي الذي يواجه لبنان لا يقتصر على منع اندلاع حرب جديدة، بل يمتد إلى إدراك أن مرحلة ما بعد الحرب قد تكون أكثر حساسية من الحرب نفسها. فإسرائيل لا تسعى فقط إلى تثبيت نتائجها العسكرية، بل إلى تحويلها إلى وقائع سياسية وأمنية دائمة، بما يعيد رسم قواعد القوة داخل لبنان. ولذلك، فإن معركة المرحلة المقبلة لن تكون فقط على السلاح، بل على الدولة، والسيادة، والقرار الوطني، لأن ما يُراد تثبيته ليس وقفاً لإطلاق النار، بل نظاماً جديداً لإدارة الصراع يحدد شكل لبنان وموقعه في الإقليم لسنوات طويلة.
وبذلك، لا تبدو معركة ما بعد الحرب أقل خطورة من الحرب نفسها، لأن الصراع انتقل من ميدان القتال إلى ميدان إعادة تشكيل الدولة، وتثبيت موازين القوة، ورسم مستقبل لبنان السياسي والأمني.
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

جمهورية الأرانب في مصيدة “اتفاق الإطار”

د. لينا الطبال* يُحكى أن حثالة الأرض اجتمعت… كل اللصوص، قاطعو الطرق، نشالو الجيوب، مزورو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *