حسن الوريث
تعيش بلادنا اليوم حالة من الفوضى العارمة التي طالت كل تفاصيل الحياة فوضى قلّما تجد لها نظيراً في العالم حتى كادت أن تُصبح استثناءً عصياً على الحل. وبصورة أكثر دقة وأشد مرارة فنحن نعيش في ثوب الدولة المهترئة بكل ما تحمله الكلمة من دمار وشتات وهذا الانهيار المتسارع ليس وليد الصدفة لكنه نتيجة حتمية لغياب القيم وموت القانون فالتناغم بين الأخلاق والنظام هو الأرضية الصلبة التي تُبنى عليها الأوطان وأي تصادم بينهما أو غياب لأحدهما يجرّ المجتمع إلى قاع الاختلالات العميقة وهو التوصيف الدقيق والمؤلم للحالة اليمنية اليوم ..
تذكرت هذا التأصيل الفكري وأنا أرقب وسط شارع الدائري الغربي بين جامعة صنعاء القديمة والجديدة قبل جولة عشرين الضيق أساساً عدداً من صنادق بيع القات التي خلقت زحاماً خانقاً شلّ حركة السير تماماً حيث يحدث هذا كله على مرأى ومسمع من متهبشي الأشغال الذين يجوبون الشوارع والطرقات ليلاً ونهاراً لا لتنظيم الأسواق وحماية المظهر الحضاري بل لفرض الإتاوات وابتزاز الباعة ومن يدفع من حقه أن يخالف ويكسر كافة القوانين بل ويدوسها بقدميه وهو المشهد ذاته الذي يتكرر بحذافيره في ميدان التحرير حيث يتم ااسماح لمن يدفع اتاوات ومطاردة من يرفض أو بالأصح لا يقدر وهكذا في كافة شوارع وطرقات العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات ونشاهد جميعا معارض السيارات تستولي ليس على الأرصفة فقط ولكن على معظم الشوارع وكثير من المحلات التجارية الكبيرة والورش بما تدفعه من اتاوات للمتهبشين ومن يحميهم وقد أصبح المتهبشين والمقربعين والبلاطجة هم المدراء الفعليين للمشهد ممن لا يعنيهم سوى حصتهم اليومية من الجبايات وليذهب المواطن والنظام والقانون إلى الجحيم ..
لقد تحدثنا عن هذا العبث كثيراً ولكن يبدو أننا كما يُقال في الأمثال الشعبية ننفخ في قربة مقطوعة فلم يعد القانون في بلادنا سيفاً مسلطاً على رقاب المخالفين بل أضحى حبراً على ورق يُباع ويُشترى وتستطيع بكل بساطة أن تكسر الأنظمة وتتجاوز اللوائح وتدوس على الحقوق شريطة أن تدفع فالمخالفة تصبح مشروعة ومحمية ما دامت خزائن الفاسدين ممتلئة بأموالك وهنا يتجلى لنا هرم اللصوصية المقيت المنظم في البلاد والذي ينقسم إلى مراتب متسلسلة أولها أدوات الشارع اللصوص الصغار وهم الذين يجمعون الفتات مباشرة من الباعة والمخالفين ومن ثم ياتي لصوص المكاتب الموظفون الذين يبتزون المواطنين ويقتطعون حصة أكبر
بعدهم ياتي المسؤولين والمشرفين الذين يتقاسمون الغنائم مع المكاتب بحصصٍ مضاعفة وفي رأس الهرم الهوامير الكبار الحيتان الذين يقفون خلف الكواليس يديرون مشهد العبث ويحظون بالحصّة الأكبر، وهم الفئة الأكثر حرصاً وجداً على استمرار هذه الفوضى وتغذيتها ..
لقد لخص هذا الواقع المرير شعارا واحدا باتت تدار به كافة مصالح ومؤسسات الدولة ادفع زلط وامشي غلط ولا شك أن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب إرادة حقيقية وصادقة لبناء دولة النظام والقانون والعدالة دولة تُطبق النظام على الكبير قبل الصغير وتجعل من القيم الأخلاقية ثقافة مجتمعية معاشة لا شعارات رنانة للاستهلاك الإعلامي وبدون هذه الصحوة سنظل ندور في حلقة مفرغة من الضياع المستمر ..
وهنا لابد ان نضع هذه الأسئلة المشروعة على طاولة من بيده الأمر .. هل تعجز الدولة والحكومة عن إنشاء أسواق بديلة ومنظمة في كل منطقة وجمع هؤلاء الباعة إليها بدلاً من بقائهم في الشوارع والطرقات بهذا الشكل المشوه؟ وهل ستكتحل عيون المقيم والزائر برؤية العاصمة وعواصم المحافظات نظيفة جميلة وخالية من الفوضى ؟ أم أن لوبيات الفساد ومراكز النفوذ والمتهبشين والمقربعين وقطاع الطرق يريدون بقاء الوضع كما هو لاستمرار مصالحهم وشعارهم الضمني طز في الشعب والوطن؟ وهل الدولة والحكومة عاجزة فعلياً عن القيام بدورها وواجباتها تجاه مواطنيها وكسر شوكة كل من يعبث بأمن هذا البلد ومظهره ؟ ام ان الامر مقصود لغرض في نفس يعقوب؟ وهل وصلت الرسالة إلى من يهمه الأمر؟ أم أن القوانين والدولة بشكل عام في بلادنا ستظل رهينة تحت أقدام من يدفع أكثر وتظل بلادنا مجرد جمهورية .. ادفع زلط وامشي غلط؟ ..
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر