الأربعاء , يوليو 8 2026
الرئيسية / اراء / وجوب فتح ملفات الفساد!

وجوب فتح ملفات الفساد!

د. بسام روبين*
لم يعد ملف الفساد في الأردن مجرد عنوان يتكرر في وسائل الإعلام أو محورا لنقاشات النخب السياسية، بل أصبح جزءا من الهم اليومي للمواطن الأردني الذي يرزح تحت ضغوط إقتصادية ومعيشية غير مسبوقة، فكلما إشتدت الأعباء على المواطنين، إرتفعت الأصوات المطالبة بسيادة القانون، وتعزيز الشفافية، وتسريع إجراءات المساءلة، بإعتبارها المدخل الحقيقي لإستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
واليوم، لا يبدو أن الشارع الأردني يبحث عن مزيد من التصريحات أو الوعود بقدر ما ينتظر خطوات عملية يلمس أثرها على أرض الواقع ، فالمواطن يريد أن يرى مؤسسات قوية، وقضاءا مستقلا، وإجراءات واضحة تؤكد أن حماية المال العام ليست شعارا سياسيا، بل إلتزاما مؤسسيا يطبق على الجميع وفق أحكام الدستور والقانون، دون تمييز أو إنتقائية.
ومن هنا، فإن التحدي لم يعد يتمثل في الإعلان عن وجود جهود لمكافحة الفساد، وإنما في ترجمة تلك الجهود إلى نتائج ملموسة، من خلال سرعة إنجاز القضايا، ووضوح الإجراءات، وإطلاع الرأي العام على ما يجوز قانونا نشره من معلومات ونتائج، بما يعزز الثقة ويحد من إنتشار الإشاعات والتأويلات التي تجد في غياب المعلومة بيئة خصبة للنمو.
وفي المقابل، فإن العدالة لا تكتمل إلا بالتمسك الكامل بالضمانات الدستورية، وفي مقدمتها أن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي قطعي، فالدول التي تحترم القانون لا تصدر الأحكام عبر الشائعات أو منصات التواصل الإجتماعي، وإنما عبر قضاء مستقل لا يحتكم إلا إلى الأدلة والبينات.
ويرى كثير من المتابعين أن المرحلة المقبلة تقف أمام مفترق طرق حقيقي.
فالمسار الأول يتمثل في تحويل الإرادة المعلنة لمكافحة الفساد إلى سياسات وإجراءات عملية، عبر دعم إستقلال القضاء، وتمكين الأجهزة الرقابية من أداء دورها بكفاءة، وتسريع الفصل في القضايا، وتعزيز الشفافية في الحدود التي يسمح بها القانون، وهو مسار من شأنه أن يعزز ثقة المواطنين، ويرسل رسائل طمأنة للمستثمرين، ويقوي مكانة مؤسسات الدولة داخليا وخارجيا.
أما المسار الآخر، فيتمثل في إستمرار البطء في إنجاز بعض الملفات، أو ضعف التواصل المؤسسي مع الرأي العام، أو ترسخ الإنطباع لدى شريحة من المواطنين بوجود ملفات لم تحسم بعد بالسرعة والوضوح المأمولين، وهو ما قد يؤدي إلى إتساع فجوة الثقة، ويمنح الشائعات مساحة أكبر من الحقائق، ويزيد من حالة الإحتقان التي يفرضها الواقع الإقتصادي الصعب.
فقوة الدولة لا تقاس بإنكار وجود الأخطاء أو التقليل من شأنها، وإنما بقدرتها على كشفها ومعالجتها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، مع صون حقوق التقاضي وضمانات المحاكمة العادلة ، فحين يشعر المواطن بأن القانون يطبق بمعيار واحد، وأن المال العام يحظى بالحماية، وأن القضاء هو الفيصل بين الجميع، تستعيد الثقة مكانها، وتتراجع مشاعر الإحباط والتشكيك.
واليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى إلى خطاب رسمي يتسم بالمصارحة والوضوح، وإلى مؤسسات تتواصل مع المواطنين بصورة مستمرة، وتوضح للرأي العام ما يمكن الإفصاح عنه قانونا ، فالفراغ المعلوماتي لا يبقى فراغا، بل تملؤه الروايات المتضاربة والإشاعات، بما ينعكس سلبا على صورة الدولة وثقة المجتمع بمؤسساته.
وفي النهاية، فإن مكافحة الفساد ليست معركة إعلامية، ولا مناسبة لإطلاق الشعارات، وإنما هي مشروع دولة يقوم على سيادة القانون، وإستقلال القضاء، والمساءلة العادلة، والشفافية المسؤولة ، ولن تستعاد ثقة الشارع بالكلمات وحدها، بل بأفعال يراها المواطن ويلمس أثرها في حياته اليومية، وبترسيخ قناعة راسخة بأن القانون هو المرجعية العليا للجميع، وأن حماية المال العام مسؤولية وطنية لا تقبل التهاون أو الإنتقائية ، فإذا نجح الأردن في تحويل هذه المبادئ إلى ممارسة مؤسسية ثابتة، فإنه لن يعزز ثقة مواطنيه فحسب، بل سيرسخ أيضا صورته كدولة مؤسسات يحكمها القانون، ويخضع فيها الجميع للمساءلة العادلة في إطار الدستور، وبما يصون الحقوق والحريات ويعزز إستقرار الدولة وهيبتها.
حفظ الله الأردن من شر الفساد والفاسدين
*كاتب اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التاريخ الحديث للمنتخب المصري!

د. جابر يحيى البواب* قد يكون الحديث عن منتخب مصر وتواجده في كأس العالم فيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *