د. اسماعيل الثابتي*
تندلع الحرب من بيننا؛ فمنذ أن ولدنا ونحن نرى حرباً إثر حرب تُدار على هذا الكوكب، ووراءها دول تغذيها بما لذ وطاب لها من الأسلحة، تزيدها شراهة وعمقاً وطولاً وعرضاً كي تتمدد وتستمر. هذا عدا عن الحروب اليومية المستمرة التي تشنها إسرائيل منذ الأربعينيات ولم تتوقف حتى هذه اللحظة ضد غزة ولبنان، في صمت مريب يطبق على كافة أقطار هذا الكوكب الأرضي…
فمنذ الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، جاءت الصراعات متسلسلة كحلقات جحيم لا ينتهي: حرب الهند الصينية التي قادها الفيتناميون ضد الاستعمار الفرنسي، الثورة الجزائرية العظيمة، حرب النكبة، حرب النكسة، وحرب أكتوبر. ثم كان الاجتياح الإسرائيلي للبنان؛ حيث استقبل بعض اللبنانيين الجيش الإسرائيلي بالورود، ليرد عليهم الأخير بمجزرة “صبرا وشاتيلا” المروعة. وتتوالى السلسلة: حروب غزة المستمرة، حرب الكوريتين، حرب فيتنام التي انتهت بانسحاب أمريكا، وحرب أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي. ثم حرب العراق وإيران، حرب الخليج وتحرير الكويت، وصولاً إلى غزو العراق واحتلاله من قِبل أمريكا.
ولم تكن الحروب الأهلية أقل دموية؛ فمن الحرب الأهلية في لبنان، إلى حروب التفكك اليوغسلافي، فحرب الكونغو الثانية التي عُرفت بـ “الحرب العالمية الأفريقية” لمشاركة تسع دول فيها وتسببها في مقتل الملايين. وتستمر الذاكرة المثقوبة بالرصاص: حرب أفغانستان (2001-2021) وانتهت بانسحاب أمريكا أو بالأحرى هروبها، الحرب الأهلية السورية، الحرب الأهلية في ليبيا، حرب اليمن التي ما زالت تنزف، الحرب الروسية الأوكرانية، الحرب في السودان، وأخيراً المواجهة المستعرة بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران وباقي الجبهات.
لذلك، نحن جيلٌ غُذِّيَ سمعه وبصره وعقله وفكره، منذ النشأة، بوجبات يومية من الحروب التي يراها يميناً وشمالاً وبين جنبيه. ألفنا صور القصف، والثورات، والأطفال والنساء وكبار السن وهم يُنتشلون من تحت الأنقاض.
وفي المقابل، نرى السياسيين ــ أو مَن يُسمّون كذلك ــ وهم يتبادلون كؤوس النخب والأنخاب، يتقاسمون النكات والضحكات، ويتباهون بوجبات الطعام الفاخرة؛ وكأن شلالات الدماء التي تروي الأرض ليست سوى مشهد سينمائي للمتعة والاسترخاء!
لا أعتقد أن الحروب ستنتهي ما دام هناك ساسة يعتمدون على الجشع والغباء أكثر من العقلانية، وما داموا يجدون دائماً من يصفق لهم، ويمنحهم الأموال، والعتاد، وأجساد البشر ليحرقوها في مواقدهم.
*كاتب وأكاديمي، خليجي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر