الثلاثاء , يوليو 14 2026
الرئيسية / اراء / كيف يُعيد العدو الإسرائيلي رسم الشرق الأوسط من جنوب لبنان؟

كيف يُعيد العدو الإسرائيلي رسم الشرق الأوسط من جنوب لبنان؟

العميد. محمد الحسيني*
قد يبدو الربط بين جنوب لبنان وإعادة رسم الشرق الأوسط مبالغاً فيه للوهلة الأولى، لكن تاريخ المنطقة يُظهر أن التحولات الكبرى كثيراً ما بدأت من جبهات حدودية صغيرة. فمن جنوب لبنان انطلقت اجتياحات، ووقعت انسحابات، وصيغت قرارات دولية، وتبدلت معادلات الردع التي امتد أثرها إلى الإقليم بأسره.
واليوم، لا يبدو أن ما يجري في الجنوب يقتصر على مواجهة عسكرية أو على مفاوضات حول الانسحاب والانتشار، بل يرتبط بمحاولة أوسع لإعادة بناء نظام أمني جديد في المشرق. فالحرب الأخيرة لم تُغيّر موازين القوى العسكرية فحسب، بل فتحت الباب أمام إعادة ترتيب الإقليم في ظل انخراط أميركي مباشر، وتراجع نفوذ بعض القوى الإقليمية، وسعي مختلف الأطراف إلى تثبيت توازنات جديدة قبل الوصول إلى أي تسويات نهائية.
وفي العقل الاستراتيجي للعدو الإسرائيلي، لا يُقاس الأمن بعدد الجنود المنتشرين على الحدود، بل بقدرته على منع تشكل أي تهديد قبل أن يصبح واقعاً. ومن هنا، فإن الجنوب اللبناني لا يمثل مجرد حدود دولية، بل يشكل خط الدفاع الأول عن الجليل، وأحد المفاتيح الأساسية للأمن القومي الإسرائيلي، كما أصبح الساحة التي يمكن من خلالها اختبار نموذج أمني جديد قد يمتد أثره إلى ملفات إقليمية أخرى.
هذه الرؤية ليست وليدة الحرب الحالية، بل تمتد جذورها إلى ما قبل اجتياح لبنان عام 1982. فمنذ سبعينيات القرن الماضي سعت إسرائيل إلى إنشاء منطقة فاصلة تمنع اقتراب القوى المعادية من حدودها، وهو ما تُرجم لاحقاً بالحزام الأمني الذي استمر حتى الانسحاب عام 2000. إلا أن ذلك الانسحاب لم يُغيّر العقيدة الأمنية الإسرائيلية، بل غيّر وسائل تطبيقها.
وقد عززت تجربة ما بعد عام 2000، ثم حرب تموز 2006، قناعة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن الانسحاب العسكري لا يعني انتهاء التهديد، وأن فترات الهدوء قد تتحول إلى فرصة لإعادة بناء القدرات العسكرية. ومن هنا، تراجع مفهوم الردع التقليدي لمصلحة عقيدة تقوم على المنع الاستباقي، والرقابة المستمرة، والقدرة على التدخل في أي وقت.
لذلك، لم يعد الهدف إعادة احتلال جنوب لبنان، بل إنتاج واقع أمني يجعل إعادة بناء أي بنية عسكرية أمراً بالغ الصعوبة. وعاد مفهوم “المنطقة العازلة” بصيغة مختلفة، لا تقوم على الاحتلال المباشر، بل على منظومة متكاملة من التفوق الاستخباري، والمراقبة الجوية، والضربات الاستباقية، والرقابة الدولية، وخلق واقع حدودي منخفض الكثافة السكانية بفعل الدمار الواسع والنزوح، إلى جانب انتشار الجيش اللبناني، بما يحقق الغاية الأمنية نفسها من دون الأكلاف السياسية والعسكرية التي فرضها الاحتلال سابقاً.
وفي هذا السياق، يمكن فهم استمرار تشكيك الكيان الإسرائيلي بقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك الكامل بالجنوب. فالمسألة، وفق هذه المقاربة، لا ترتبط بكفاءة الجيش اللبناني وحدها، بل أيضاً بطبيعة النظام السياسي اللبناني وتشابك مراكز القرار فيه، الأمر الذي يدفع إسرائيل إلى اعتبار أن أي ترتيبات مستقبلية تحتاج إلى ضمانات وآليات تحقق مستمرة، لا إلى تعهدات سياسية فقط.
لكن التحول الأهم هو أن جنوب لبنان لم يعد يُنظر إليه باعتباره ملفاً لبنانياً صرفاً، بل بات جزءاً من معادلة إقليمية تتداخل فيها حسابات الولايات المتحدة وإيران وسوريا ولبنان، إلى جانب أدوار إقليمية أخرى. ولذلك، فإن أي تسوية فيه أصبحت مرتبطة بإعادة رسم التوازنات الإقليمية، وليس فقط بترتيبات محلية.
من هذا المنطلق، تكتسب مفاوضات روما أهمية تتجاوز مكان انعقادها. فهي ليست مفاوضات سلام، ولا بداية لمسار تطبيع، بل تُقرأ من المنظور الإسرائيلي بوصفها محاولة لتحويل وقف إطلاق النار إلى نظام أمني جديد. والسؤال الحقيقي فيها ليس ما إذا كان العدو سينسحب، بل ما هو الواقع الأمني الذي سيولد بعد هذا الانسحاب.
وهنا يكمن جوهر الخلاف. فلبنان ينطلق من أن تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي المُسمى “تجريبي”، وفق التفاهمات القائمة، هو المدخل الطبيعي لاستعادة السيادة وتطبيق أي تفاهم لاحق، بينما ترى إسرائيل أن أي انسحاب يجب أن يكون نتيجة لترتيبات تضمن عدم عودة البيئة العسكرية التي سبقت الحرب. وبين هذين المنطقين، تتحول المفاوضات إلى اختبار لقدرة الأطراف على إنتاج معادلة أمنية جديدة، أكثر منها سعياً إلى تسوية سياسية شاملة.
وفي المقابل، لا تبدو الساحة الإسرائيلية موحدة بالكامل. فإلى جانب تيار يدعو إلى تشديد الإجراءات الأمنية، يبرز تيار آخر يحذر من العودة إلى تجربة الاستنزاف التي انتهت بالانسحاب عام 2000، ويرى أن الإنجازات العسكرية لا يمكن أن تتحول إلى استقرار دائم من دون رؤية سياسية قابلة للحياة.
ومن خلال تتبع مسار العقيدة الأمنية الإسرائيلية خلال العقود الأربعة الماضية، يتضح أن الهدف لم يعد السيطرة على الأرض بقدر ما أصبح السيطرة على البيئة الأمنية المحيطة بها. فالاحتلال المباشر أثبت كلفته الباهظة، بينما توفر التكنولوجيا والاستخبارات والضمانات الدولية أدوات أقل كلفة لتحقيق أهداف مشابهة.
لذلك، فإن ما يجري في جنوب لبنان يتجاوز حدود مواجهة عسكرية أو مفاوضات تقنية حول الانسحاب والانتشار، ليصبح جزءاً من محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، وربما إعادة صياغة النظام الأمني في المشرق كله.
لكن التاريخ اللبناني يعلّم أن أي ترتيبات أمنية لا تستند إلى تسوية سياسية متوازنة تبقى معرضة للاهتزاز. فقد سقط الحزام الأمني، ولم يمنع القرار 1701 عودة التوتر، كما أن الحروب المتعاقبة لم تُنهِ أسباب الصراع. لذلك، فإن نجاح أي صيغة جديدة لن يُقاس بمدة الهدوء التي تفرضها، بل بقدرتها على معالجة التناقضات التي أنتجت الصراع أصلاً.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح العدو الإسرائيلي في تحويل جنوب لبنان إلى نقطة انطلاق لإعادة رسم التوازنات الإقليمية، أم أن تعقيدات الواقع اللبناني وتشابك المصالح الإقليمية ستعيد إنتاج معادلات الردع التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية؟ فالإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الجنوب اللبناني وحده، بل ستكشف أيضاً ما إذا كانت الحرب الأخيرة تشكل بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، أم أنها ستبقى مجرد حلقة أخرى في صراع يتبدل شكله من دون أن تتغير جذوره.
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ثنائية الفقر والفساد!

د. عبدالوهاب الروحاني بلادنا، التي درجنا ودرج العالم على تسميتها ب”بلاد العربية السعيدة” تعاني اليوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *