عاليه عواد*
بينما تدور السيارت باحثة عن بنزين وسولار في زوايا المدن الفلسطينية، يمر موكب أحد الشخصيات الهامة، يرتدي نظارة سوداء، ينظر بسخرية الى ذلك الصف غير المتناهي على الكازيات، يشعل سيجارته، ينفث الدخان، ينظر الى ساعته الالكترونية، يرى الشعب يتناثر بين ضجيج وضجيج، يرمي عقب السيجارة من الشباك المظلل بالاسود، سيجارة دخنها على حساب المظلومين الاسرى والجرحى، وأسر الشهداء القابضين على الجمر، المتناثرين هناك في خيمات صغيرة لا تأوي جرحهم النازف، يحترق الشعب بسيجارته، ويقتل بنيران صديقة .
يسير رجل في الشارع، يبدو وكانه قد فقد عقله، ويصيح ويقول: “سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري “، حدقت فيه لم يكن رجلا واحدا، كان مجموعة ملتصقة ببعضها البعض، تفحصت المشهد أكثر فأكثر، بدأت الصورة تتضح، كانوا رجالا ونساءً، أطفالا وشيوخا، عمالا وموظفين، محبين وعاشقين، أسرى وشهداء، مؤمنين، كتابا وأدباء، فنانين وشعراء، أطباء ومعلمين، رجال أمن، جمعهم رسام، وبدأ يخط بقلم رصاص صورتهم في عمل جمعي واحد، لوحة رائعة أخاذه، ولكن لماذا اختار الرسام قلم الرصاص بدلا من الألوان الزاهية ؟؟ سؤال استوقفني يبدو انه خائف من شيء ما !!، او من شخص ما !!، لا يريد ان يظهر الملامح الحقيقية للأماكن والشخوص، تتناثر الدموع من لوحته، يتحول المكان الى بحيرة من الألم، يحاول الرسام الفرار، تتفرق الخطوط وتتناثر الشخوص، وتغرق المدينة، وتبقى الصورة، وتأتي مجموعة من الغربان السود، تفكك المشهد والرموز، ويغيرون الملامح، وتصبح الصورة سوداء بدون ظلال وبدون ألوان .
انتخبوني، يصرخ الشيطان، واذا انتخبتوني، سانفذ لكم مجموعة كبيرة جدا من الوعودات، صاح الجمع : قل لنا ماذا ستفعل من اجلنا، هل تمنحنا ثروتك ؟ فقال : لا، هل ستهدينا ياقوتا ومرجان، قال لا : قالوا له هل ستحبنا اكثر من حبك لنفسك : قال : بالطبع لا : فالشياطين لا تحب !!، هل سنصبح شياطين مثلك ؟ ضحك بشدة وقال : وهل يلتقي الجمعان ؟، فقالوا : وماذا اذا انت فاعل لنا : قال ضاحكا : سأرجمكم قبل ان ترجموني !! .
رجل مسن يجلس على حجر في أرضه، قرب زيتونة رومانية، ينظر الى المدى، يحدق ويحلم، أمامه قطيع أغنام، هي ثروته طيلة هذه السنين، واذا بخروف ضمن القطيع يقترب منه ويقول له هامسا : هنالك مستوطنون قادمون ليقتلوننا، فانت تعرف اننا أول من يتنبأ بالكوارث !!، يجيب المسن الذي أتعبته عذابات السنين : وماذا بيدي ان افعل فانا رجل كبير، وأولادي استشهدوا، ولم يتبق لي غير هذه الأرض وأنتم، بماذا اقاتل ؟، كيف أحمي نفسي وأحميكم ؟، يقول الخروف : استعن بالكبار الذين يجلسون في تلك البقعة القريبة البعيدة، يضحك الشيخ، ويقول : تأخروا كثيرا، في المرة السابقة استعنت بهم، لم يأتوا كالعادة، فاستشهد أبنائي، يقول الخروف بحذر شديد : انهم يقتربون الان، انهم مسلحون وبحماية الجيش، يصيح الشيخ ” واكبيراه ” ” واكبيراه “، لا احد يجيب، يدخل المستوطنون الأرض، يحتمي الخروف بالشيخ، يقتلون الخروف، ويغيرون معالم القطيع، ويضعون أحرفا باللغة العبرية عليه، ويقولون : -هذا القطيع لنا – يحاول الشيخ حماية ما تبقى من قطيعه، وبينما يحاول ذلك، يطلق المستوطنون الرصاص على الشيخ، يسيل دمه في الشوارع، الطرق، والقرى المجاورة، والمدن الفلسطينية، تنطلق الشرارة، وينبعث عطره النقي في حدود الوعي، وتعود الالوان الى الصورة، ويعود البريق .
يسمع صاحب الموكب بالأمر، يذرف دموعا كاذبة، ويعتلي جدر الصمت، ويكتب الالاف من الكلمات على المنصات، ويحمل الاوراق والكتب المختومة بدم الشيخ الشهيد، وبعد فترة وجيزة يمر موكبه، يفتح الشباك المظلل بالاسود، يمزق الأوراق والكتب، فتطير رواية الشيخ في مهب الريح .
يجلس موظف حكومي مع صديقه على بوابة الذكريات في أحد الجبال، يشغلون اغنية ذكرياتي لوردة الجزائرية ، يقول لصديقه : هل اجد معك : مئة شيقل دين ؟ يضحك الاخر بشدة، ويقول ساخرا : من وين يا حسرة ؟؟من واشنطن ؟؟!!!، هل تذكر ياصديقي عندما كنا نقبض الراتب في 2 الشهر ثم اصبح الراتب في 5 الشهر؟، يجيبه صديقه قائلا : كنا نقبض 85 بالمئة من الراتب، آه كم كنا اغنياء !!!، تنهد الاثنان، اليوم نقبض في 25 الشهر و 50 بالمئة، ينظر الاثنان الى المدى البعيد، ثم يصرخ أحدهما فجأة ويقول لصديقه : يجب ان نهرب، انهم يصعدون الجيل، فقال له صديقه من ؟؟؟ يقول : شركة الكهرباء والماء، الضرائب، أقساط اولادي في المدارس والجامعات، الفواتير، الشيكات الراجعة، ايجار البيت، ثلاجتي الفارغة، دموع ابنتي وهي تريد ان اشتري لها فستانا، ثم تابع : رجال الأمن يريدون ان يقبضوا علينا : قال له صديقه، وقد تعثرت قدماه، وسالت الدماء منها : ولكننا لم نقبض، هم ايضا لم يقبضوا، هم منا ونحن منهم !!! فكيف سيقبضون علينا ؟؟؟!!! .
يمر الموكب ذاته من رام الله الى نابلس، سيارة رينج روفر سوداء، لماذا استبدل السيارة المرسيدس لا احد يعرف !!!، ربما هم من طلب منه ذلك، يمر موكبه في الشوارع الضيقة، وما أن يصل حاجز عين سينيا، فاذا أرتال من السيارات تتوقف، يتساءل ما هذا ؟: يقول له المرافق : هذا حاجز عين سينيا، وما هذه السيارات ؟، يجيب المرافق : هؤلاء المواطنون الفلسطينيون يقفون لساعات طويلة، حتى يسمح لهم الجنود الاسرائيليون بالعبور . يقول للمرافق : ولماذا نقف نحن مع المواطنين العاديين ؟؟، اتصل بهم ونسق لخروجي السريع، اتصل المرافق , دقائق وتجاوزوا السيارات والمواطنين المتعبين، وعبروا الحاجز المكتوب عليه : “ لا مستقبل “ : ساروا في الطريق والاعلام الإسرائيلية تتناثر في كل مكان، وضعت قسرا امام البيوت الفلسطينية، على شجر التين والزيتون، وفي الطرق العابرة، وبعض البيوت اغلقها الجيش الاسرائيلي بالاسلاك الشائكة، مروا آلاف الحواجز، والبوابات الصفراء والبرتقالية، استمروا بالعبور متجاهلين المواطنين المعذبين الذين يدورون بين ضجيج وضجيج .
*كاتبة فلسطينية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر