الجمعة , يوليو 31 2026
الرئيسية / اراء / شوائب العقل السياسي العربي!

شوائب العقل السياسي العربي!

د. ادريس هاني*
هذه حرب مفتوحة على رهانات يصعب استيعابها من قبل من لا عهد لهم بالحرب، فهي ترسم مصير الإقليم ومن ثمة تحدد مصير العالم. وهناك طرفان محوريان أساسيان في هذه الحرب المركبة: هناك من يتمثل موقف رسم أحمق، وهناك من يتمثل موقف رسم الحكيم. الرهان على إنهاء هذه الحرب وفق الأجندة الإمبريالية، هو حلم يقظة لم تستيقظ منه هذه الأخيرة، فقد دخلت الامبريالية في مرحلة حرجة من السبات، حيث فشلت في تجديد مقارباتها ووسائلها في تعزيز السيطرة.
ومهما حاولت حلقات التفكير أن تقدم من تشخيص ووصفات لجدلية الصراع، فإن ما ليس في حسابات المتلقي في عالم ثالث مرصود لسياسة الهيمنة، هو مقاربات تحليلية موجهة. والإمبريالية لا تكشف عن خططها الآنية، وإن فعلت فلغرض التضليل. اليوم، لا تحسب القوة بحجم التقنية المجردة، بل لا بد من أن تنضم إليها عوامل شتى، أهمها الإرادة السياسية، المنظور البعيد المدى، التعبئة اللامحدودة، الشروط الجغرافية والسياسية للحرب. وفي هذه الحرب، لا تتوقف الإرادة السياسية بالنسبة للطرف الإيراني عند زمن سياسي انتخابي، بل هي ممتدة وتتغذى على فكرة الصمود التاريخي والحضاري، وعلى الديمومة.
لقد اعتقد الأمريكي ومعه الاحتلال، بأن العودة إلى زمن الإبادة الجماعية جدير بأن يحيي مفهوم الاعتراف وتعزيز أمر واقع عند المحلي. لقد سقط في قياس مفارق، قياس يتناقض مع فروق الجغرافيا والتاريخ والديمغرافيا والتوزيع الحضاري للأرض و الشروط الجيوسياسية. سقط مرة أخرى في القياس المفارق حين اعتقد بأن اغتيال قائد دولة سيسقط النظام، قياس يتناقض مع بنية النظام المستهدف، ومع طبيعة اشتغال المؤسسات، ومع مفهوم الولاء الرمزي للقادة. وسقط مرة أخرى في قياس مفارق، حين اعتقد أن النقر الإعلامي حول اختفاء القادة عن الأنظار، يمكن استعماله كمؤشر على ضعف النظام، قياس يتناقض مع بنية المنظور الشرقي عموما للقيادة التي يتكثف حضورها أكثر في الغياب. هنا تبدو محاولة استفزاز القيادة للظهور العلني بخطابات هوجاء، محاولة ساذجة، لأن الأمة الإيرانية طويلة ” البال”، وهي منذ قرون تعيش على عقيدة الغائب/الحاضر الملهم الذي يتعذر ضبط “إحداثياته” حسب تعبير كوربان.
واضح أن القياس سبب فشل كل الخطط الاستراتيجية، لأننا حتى الآن لم نستوعب مفارقة التحول في القوة وتعقيدها.
*وهم السيناريوهات*
ومع أنني أفضل الحديث عن مؤشرات لا عن سيناريوهات، لأن الثانية تتطلب قدرة فائقة على حدس الفرضية ومعطيات وافية لبناء منظور بعيد المدى، فإن الأفق لا زال متلبسا باحتمالات كثيرة، اليقيني منها أن تحولا في بنية النظام الإقليمي والدولي لا محالة قادم.
حتى الآن، لم تستطع نتائج الحرب تغيير أنماط التفكير في حقل اشتغال السياسات في العالم العربي. ما هو مفارق هنا، هو صعوبة الفطام عن جملة المفاهيم البالية وأنماط التحليل الفاشلة وأدواته التوقع. وتقدم الميديولوجيا العربية أسوء نموذج لهذا الجمود، حيث تعتمد سياسة الإغراق(الدومبينغ) كوسيلة في سوق الإقناع. وكل ما يجري في سوق الخطاب يصيب الوعي بالتهاب حاد.
يفتقر الوعي العربي للمناعة، إذن فهو عاجز عن تحصين نفسه من الاختراق. والمناعة هنا لا تعني التعصب والانغلاق، بل تعني حسن الإنصات ودقة التمييز. وخلال سنوات طولى، فقد العرب القدرة على الإنصات، رافقها سوء تدبير المعرفة. المشكلة مركبة: الوضعية السيكوباتوبوجية للذات الجماعية، أعطاب سوسيولوجيا التخلف المزمن، ضيق الأفق المعرفي، تورم الشخصية البارانويانية. شكل هذا التعقيد السيكولوجي الجماعي المرضي عائقا ضد التدفق الصحي للوعي.
لقد تضاعفت المعضلة اليوم، فكل مظاهر التقنية الجديدة رسخت هذا الوباء. فاستيراد التقنية عمق التخلف الذهني وأطلق العنان للذهان. لقد انقلبت المعايير، فاليوم يتحدث المؤثرون عن حجم المشاهدات كمؤشر للنجاح. لقد تواطأ الرقم والرقمي على الوعي العربي فأرداه قتيلا. فمنذ فجر التاريخ، لم يكن الحشد مؤشرا على جودة التفكير، لم يكن القطيع هو غاية الفكر. ومع أن معظم الأفكار هي مأخوذة من دون حقوق المؤلف من النخب الحقيقية، إلا أن صبها على رؤوس العوام لا يخلو من تسطيح، يصعب على غير المحترف أن يقف على ثغراتها. وهذا ما يفسر الحقد على أهل المبدأ، بهذا يتحقق التعويض السيكولوجي، ومن هنا تبدأ الحرب على المثقف الحقيقي. هذا حقا عصر المهرولين ناحية عدد المشاهدات لا ناحية جودة المحتوى.
ما يحجب فقدان المناعة في الوعي العربي هو صبيب المعلومات غير النسقية، مما يوحي بالإشباع الكاذب. لا يملك العقل العربي اليوم قدرة على إدارة المعرفة وقدرة على تحصين الوعي من الإختراق. المشهد مليء بالتبسيط القاتل، وأحفاد وايزمان البيولوجيون يقومون بالواجب في إذكاء الفوضى الخلاقة، وخلط الأوراق، والتربص بالمناضلين الحقيقيين باسم النضال، في مفارقة سأسميها من الآن فصاعدا: ” *مغالطة وايزمان* “!
كل شيء في المشهد يجري وفق مغالطة وايزمان، وهي المفارقة التي لم يستوعبها العقل السياسي العربي، وهي في الوقت نفسه أصل كل مصائبه.
*كاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

مفتاح فِهم السياسة السعودية!

محمد الفرح* أثبتت الوقائع والأحداث أن السعودية منذ عشرات الأعوام تتحرك ضمن مسار سياسي يتقاطع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *