نجاح محمد علي*
لم تنتهِ المواجهة الإيرانية-الأمريكية، بل دخلت مرحلة أخطر وأكثر تعقيداً. ما كان يُوصف قبل أسابيع بـ«التهدئة النسبية» أو «الوقفة التكتيكية» تحول بسرعة إلى إعادة رسم خريطة التوازنات الإقليمية بالقوة. الحرب لم تنتهِ، بل بدأت مرحلة جديدة من التصعيد المنظم، تقودها اليوم الرياض علناً، وتستهدف فيها العراق مباشرة، وتحاول فيها جرّ إيران إلى جبهات إضافية عبر ادعاءات كاذبة ثبت بطلانها.
في هذا المشهد، لم يعد الحديث عن «حرب محدودة» ممكناً. السعودية، التي اكتفت لأشهر طويلة بالدور الخلفي أو بالتنسيق السري، قررت الخروج إلى الواجهة. أعلنت عن تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، ودعت عشرات الدول للمشاركة فيه.
على الورق، يبدو المشروع دفاعاً عن حرية الملاحة وأمن الطاقة. في الواقع، هو إعادة تشكيل للتحالفات العسكرية في المنطقة تحت غطاء «الأمن البحري». التحالف ليس رد على هجمات صنعاء، بل خطوة استراتيجية تهدف إلى عزل إيران وفرض واقع جديد في الممرات الحيوية، وربط أمن الخليج الفارسي والبحر الأحمر بمصالح مشتركة مع قوى إقليمية ودولية، بينها مصر وتركيا وباكستان. هذا التحالف يضع الرياض في موقع القيادة العسكرية الجماعية، ويمهد لدور أكثر تدخلاً في أي مواجهة مقبلة.
لكن التصعيد السعودي لم يتوقف عند البحر. انتقل مباشرة إلى البر العراقي. الضربات المشتركة الأمريكية-السعودية على مواقع الحشد الشعبي لم تكن مجرد رد فعل على طائرات مسيرة، بل رسالة واضحة: العراق ساحة مفتوحة، والحشد هدف مشروع. استهداف العراق بهذه الطريقة ليس عارضاً، إنه جزء من محاولة لتحويله إلى مسرح حرب دائم يخدم المشروع الأمريكي-السعودي-الصهيوني. الهدف هو إضعاف أحد أهم أذرع المحور المقاوم، وخلق فراغ أمني يسمح بفرض ترتيبات جديدة، وفتح الباب أمام مزيد من التدخلات. العراق، الذي حاول لسنوات الحفاظ على توازن هش بين واشنطن وطهران، يجد نفسه اليوم مدفوعاً بالقوة نحو حافة الهاوية.
في موازاة ذلك، جرت محاولة أخرى أكثر خبثاً لجرّ إيران إلى مواجهة إضافية عبر مصر. انتشرت ادعاءات بأن إيران استهدفت سفناً أو منشآت في دمياط أو في المياه المصرية. الهدف كان واضحاً: خلق أزمة دبلوماسية بين القاهرة وطهران، ودفع مصر إلى الاصطفاف علناً ضد إيران، وتوسيع دائرة الصراع لتشمل المتوسط. لكن مصر أثبتت كذب هذه الادعاءات. التحقيقات الرسمية المصرية نفت أي صلة إيرانية بالحادثة، وأشارت أصابع الاتهام إلى جهات أخرى أو إلى عمليات استفزازية تهدف إلى تأزيم العلاقات. هذه الواقعة تكشف أسلوباً متكرراً: اختلاق وقائع لفرض وقائع جديدة، واستخدام الإعلام والحلفاء لخلق أجواء تصعيدية مصطنعة. إيران لم تستهدف السيادة المصرية، ومن حاول الترويج لذلك أراد فتح جبهة جديدة لا علاقة لها بالمصالح المصرية الحقيقية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يربط كل هذه الملفات: لماذا يُطرح سلاح المقاومة الآن، وبقوة، في غزة ولبنان والعراق؟ ولصالح من؟
في غزة، تتداول مقترحات متكررة حول «نزع سلاح حماس» أو «حصره» أو «تخزينه ضمن ترتيبات سياسية وأمنية». المصطلحات تختلف، لكن الجوهر واحد: تجريد المقاومة من قدرتها على الرد، وتحويلها إلى كيان سياسي بلا أسنان عسكرية، تحت رقابة دولية أو إقليمية. في لبنان، يتكرر الحديث عن سلاح حزب الله بوصفه عقبة أمام «الاستقرار»، رغم أن هذا السلاح هو ما منع اجتياحات سابقة. وفي العراق، يُستهدف الحشد الشعبي تحت ذريعة «السيادة» أو «الميليشيات»، رغم أنه جزء رسمي من المنظومة الأمنية العراقية ، مع استمرار الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة. هذه الحملات المتزامنة ليست صدفة. السلاح في يد المقاومة هو العقبة الوحيدة أمام فرض تسويات تخدم مصالح الكيان الصهيوني والولايات المتحدة والسعودية. نزع هذا السلاح أو تحجيمه يعني تحويل المقاومة إلى مجرد ورقة تفاوضية ضعيفة، وفتح الباب أمام إعادة ترتيب المنطقة وفق معادلات جديدة تضمن التفوق {الإسرائيلي} والنفوذ الأمريكي والدور السعودي القيادي.
المشهد إذن مترابط بالكامل. المواجهة الإيرانية-الأمريكية فتحت الباب أمام مرحلة إعادة رسم التوازنات. السعودية استغلت اللحظة للانخراط العلني عبر التحالف البحري والضربات في العراق. ومحاولة جرّ إيران عبر الادعاءات الكاذبة بشأن دمياط كانت محاولة لتوسيع الجبهة وخلق عزلة دبلوماسية. أما الحديث عن سلاح المقاومة في غزة ولبنان والعراق فهو الجزء الأخطر: محاولة نزع الورقة الأخيرة التي تمنع فرض الأمر الواقع.
هل نحن أمام نهاية حرب أم بداية مرحلة أخطر؟ الإجابة واضحة من مجريات الأحداث. الحرب لم تنتهِ، والتهدئة لم تتحقق. ما يجري هو تصعيد منظم متعدد الجبهات، يهدف إلى كسر قدرة المحور المقاوم على الرد، وإعادة صياغة التحالفات الإقليمية تحت قيادة سعودية-أمريكية، ومن الخلف الكيان اللقيط ، وتحويل العراق إلى ساحة مفتوحة، ومحاصرة إيران دبلوماسياً وعسكرياً. السلاح في يد المقاومة هو ما يُراد نزعه اليوم، لأنه الوحيد القادر على تغيير المعادلة. ولصالح من؟ لصالح من يريد منطقة بلا مقاومة حقيقية، وممرات مائية تحت السيطرة، وعراق ضعيف، وإيران محاصرة.
المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة هدوء. التصعيد مستمر، والجبهات مفتوحة، والمخطط يتسع. والاختيار أمام شعوب المنطقة واضح: إما الاستسلام لهذه المعادلة الجديدة، أو التمسك بأدوات الردع التي أثبتت حتى الآن أنها الوحيدة القادرة على منع فرض الإرادة بالقوة.
*كاتب وباحث عراقي متخصص في الشؤون الإقليمية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر