الأربعاء , أغسطس 5 2026
الرئيسية / اراء / ما وراء العداء.. حلف الغدر “إيران وإسرائيل وأمريكا”؟

ما وراء العداء.. حلف الغدر “إيران وإسرائيل وأمريكا”؟

د. ميساء المصري*
منذ أكثر من أربعة عقود، يتعامل الرأي العام في الشرق الأوسط مع العلاقة بين إيران وإسرائيل بوصفها نموذجًا للعداء المطلق. غير أن قراءة السياسة الدولية بمنطق الشعارات غالبًا ما تُخفي طبقات أعمق من المصالح والحسابات الاستراتيجية. فالدول لا تبني سياساتها على العواطف، بل على موازين القوة، وإدارة المخاطر، وتحقيق المكاسب، حتى عندما يبدو خطابها السياسي حادًا ومتعارضًا.
في هذا السياق، أعود بكم قليلا الى فترة زمنية منذ عام 2007 حيث صدر كتاب (الحلف الغادر، الصفقات السرية بين إيران وإسرائيل وأمريكا ) ، للباحث الأمريكي من أصل إيراني تريتا بارسي إستوقفني في هذه المرحلة بشدة ، ليس لأنه يقدم حقيقة ما، بل لأنه يطرح فرضية تستحق النقاش، بأن العلاقة بين إيران وإسرائيل لم تكن دائمًا علاقة صراع صفري، بل شهدت في بعض المراحل تقاطعات مصالح فرضتها البيئة الإقليمية والدولية.
للعلم هنا تريتا بارسي، كان مستشاراً في السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ، كما أنه مؤسس ومدير المجلس الوطني الإيراني الأمريكي ( NIAC ) ومن خلال قراءته إستند إلى 130 وثيقة، مثل أمثلة على التعاون غير المعلن في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب الإيرانية العراقية ، كانت إسرائيل هي المزود الأكبر لطهران بالسلاح ، رغم أن الخطاب الإيراني في العلن كان يصِف إسرائيل بـ( الشيطان الأصغر ) ، بل وثّق الكتاب أن 80٪ من الأسلحة التي استخدمتها إيران في الحرب تمّ الحصول عليها عبر إسرائيل ، بتنسيق أمريكي مباشر ، فيما عُرف لاحقًا بفضيحة إيران-كونترا.
و التي وضعت في سياق حسابات الحرب الباردة والصراع الإقليمي. هذه الوقائع التاريخية موثقة، لكنها لا تعني بالضرورة وجود تحالف دائم، بل تعكس حقيقة معروفة في العلاقات الدولية( الخصوم قد يتعاونون مؤقتًا عندما تلتقي مصالحهم.)
وهنا تكمن الفكرة الأكثر أهمية. فالسياسة الخارجية لا تُدار بمنطق (الصديق والعدو) بقدر ما تُدار بمنطق (المصلحة والتهديد). أو لنقل علاقة قائمة على ( الندية الحذرة والمصالح المشتركة ) ، ولهذا شهد العالم تحالفات بين خصوم تاريخيين، كما شهد انهيار تحالفات بين أقرب الحلفاء عندما تغيرت موازين القوة.
ومن هذه الزاوية، يمكن ان نضع مثالا كيف عرضت إيران على إسرائيل استخدام مطاراتها ( وتحديداً في طَبَريز ) في حال قررت شنّ غارات جوية على المفاعل النووي العراقي ، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة العملية ، وإن كانت تُغلّف بالعداء الظاهري .
ومن جهة أخرى يؤكد ان العدو المشترك هو المشرق العربي في هويته السنية ، العراق ، وسوريا ، ولبنان ، واليمن ، بدعم ضمني أمريكي إسرائيلي في بعض المراحل ،وهنا يمكن فهم التفاعل بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بوصفه شبكة معقدة من الردع، والتفاوض، والاحتواء، والتنافس. ففي بعض المحطات كانت المواجهة العسكرية حقيقية، وفي أخرى جرى استخدام التصعيد كوسيلة لتحسين شروط التفاوض أو إعادة رسم قواعد الاشتباك، وليس بالضرورة للوصول إلى حرب شاملة.
لكن اختزال المشهد في فكرة (التحالف السري) يحمل أيضًا قدرًا من التبسيط. فالوقائع تشير إلى أن العلاقة بين إسرائيل وإيران شهدت مراحل من التصعيد العسكري المباشر وغير المباشر، والعقوبات الاقتصادية، والاغتيالات، والهجمات السيبرانية، والاستهداف المتبادل للمصالح. لذلك، فإن الأدق هو الحديث عن تداخل بين الصراع والمصلحة، وليس عن تحالف ثابت أو عداوة مطلقة.
أما الولايات المتحدة، فقد تعاملت تاريخيًا مع الشرق الأوسط وفق استراتيجية تقوم على منع أي قوة إقليمية من تحقيق هيمنة كاملة، مع الحفاظ على أمن حلفائها وضمان تدفق الطاقة واستقرار الممرات البحرية. ومن هذا المنطلق، تبدو سياساتها أحيانًا متناقضة ومنحازة فهي قد تتفاوض مع خصومها، وتفرض عليهم العقوبات في الوقت نفسه، أو تدعم طرفًا في ملف وتختلف معه في ملف آخر.
الأخطر في هذا المشهد أنه كلّما انسدّت قنوات التفاوض ، تشتعل الجبهات ، ثم يُعاد فتح القنوات ، و يعود الهدوء ولو مؤقتاً ، فالخريطة ليست ثنائية ( عدو / صديق ) ، بل ثلاثية الأضلاع ، كل طرف يرى الآخر نِدّاً وشريكاً مؤقتاً أو دائماً في إقتسام الكعكة . والهدف تصحيح التاريخ وإعادة تشكيل المنطقة .
أن المنطقة أصبحت الآن ساحة لإدارة التوازنات الدولية أكثر من كونها مسرحًا لصراعات محلية. فالحروب لم تعد تُخاض فقط لتحقيق نصر عسكري، بل لإعادة توزيع النفوذ، وإضعاف الخصوم، وخلق وقائع سياسية جديدة. ولهذا، فإن وقف الضربات لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع، كما أن التصعيد لا يعني دائمًا أن الأطراف تسعى إلى حرب مفتوحة.
وفي المقابل، تدفع ومازالت الدول العربية كلفة كبيرة نتيجة التحولات الإقليمية، سواء بسبب الصراعات الداخلية، أو التدخلات الخارجية، أو تراجع منظومة المسمى العربي ككل. وهذا ما يجعل الحاجة ملحة إلى قراءة المشهد بعيدًا عن الخطابات، والاقتراب أكثر من منطق المصالح والاستراتيجيات.
الدرس الأهم الذي يقدمه كتاب بارسي الأمريكي الإيراني الأصل، سواء اتفقنا مع جميع استنتاجاته أم اختلفنا معها، هو أن العلاقات الدولية لا تُفهم عبر التصريحات وحدها، بل عبر الوقائع والمصالح. فالتاريخ مليء بأمثلة لخصوم تفاوضوا، وحلفاء اختلفوا، وتحالفات تبدلت عندما تغيرت موازين القوى.
لذلك، فإنني أطرح سؤالا لصانع القرار العربي و للعرب الذين أسقطوا عرش كسرى وقيصر ،هل توجد عداوة أو تحالف مطلق بين هذه الأطراف؟ و كيف تؤثر تفاعلاتها في أمنك القومي العربي؟ وكيف يمكن للدول العربية مهما كانت شرقية، خليجية، افريقية ، أن تبني سياسات تستند إلى قراءة واقعية للمصالح، بدلًا من الاكتفاء بتطبيق تحولات يقررها الآخرون؟
في النهاية، تكمن الإشكالية الكبرى في الشرق الأوسط في الاعتقاد بأن الأيديولوجيا هي التي تحكم مسار السياسة، بينما تثبت التجارب أن المصالح وحدها هي التي تعيد رسم التحالفات، وتعيد تعريف الخصومات، وتحدد اتجاهات الحروب والسلام. وما يُقال وتصدح به التغريدات والميكروفونات والبيانات ليس بالضرورة ما يُتخذ في غرف القرار، فبين الخطاب العلني والتفاهمات الصامتة مسافة تصنعها حسابات القوة لا الشعارات.
لذلك، فإن أخطر ما يواجه المنطقة ليس تضارب الروايات، بل عجز كثيرين عن التمييز بين السياسة كما تُسوَّق، والسياسة كما تُمارَس. والسؤال الذي يبقى معلقًا أمامنا، هل نقرأ ما يُقال… أم نفهم ما يُفعل؟.
*كاتبة سياسية اردنية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

خان.. المدعي العام الدولي الذي دفع منصبه ثمنًا لمحاولة محاسبة إسرائيل!!

د. مهدي مبارك عبد الله* لم يكن كريم خان عندما قرر الاقتراب من إسرائيل يفتح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *