د.وائل عواد*
بعد واحد وثمانين عاماً على مأساة هيروشيما وناغازاكي، لا يزال الناجون اليابانيون، المعروفون باسم “الهيباكوشا”، يحملون في أجسادهم وذاكرتهم ندوب أول وآخر استخدام للأسلحة النووية في تاريخ الحروب. وما دام هؤلاء الشهود على المأساة أحياء، فإن العالم لا يملك رفاهية نسيان تلك اللحظة التي غيّرت مسار التاريخ، وأثبتت أن السلاح النووي ليس مجرد أداة عسكرية، بل وسيلة قادرة على إفناء مدن بأكملها، وترك آثار إنسانية وصحية وبيئية تستمر لعقود، بل لأجيال متعاقبة.
ولا تزال الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي في نزاع مسلح، عندما قصفت هيروشيما وناغازاكي في أغسطس/آب 1945، في قرار لا يزال يثير جدلاً سياسياً وأخلاقياً بين المؤرخين وصناع القرار. ورغم أن العالم لم يشهد منذ ذلك الحين استخداماً جديداً لهذا السلاح، فإن ذلك لا يعني أن خطره قد تراجع، بل إن البشرية انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً، قوامها الردع النووي، حيث أصبحت الترسانات النووية إحدى الركائز الأساسية معادلات القوة والتوازن الاستراتيجي بين الدول الكبرى.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن مأساة هيروشيما، التي كان يفترض أن تدفع المجتمع الدولي نحو التخلص التدريجي من الأسلحة النووية، تحولت مع مرور الزمن إلى نقطة انطلاق لسباق تسلح غير مسبوق. فبدلاً من تقليص الترسانات النووية، اتجهت القوى الكبرى إلى تحديثها وتطوير وسائل إيصالها، من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات إلى الأسلحة الفرط صوتية، مروراً بالغواصات النووية وأنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في إدارة العمليات العسكرية. ومع تصاعد التنافس الجيوسياسي، عاد الخطاب النووي إلى الواجهة، وأصبحت لغة الردع والتلويح باستخدام القوة جزءاً من الحسابات السياسية والعسكرية، بعدما كان العالم يعتقد أن هذا الفصل قد طُوي مع نهاية الحرب الباردة.
وفي هذا السياق، تزداد التساؤلات حول مدى اتساق النظام الدولي في التعامل مع قضية الانتشار النووي. فبينما تُرفع شعارات منع انتشار الأسلحة النووية باعتبارها هدفاً عالمياً، يرى كثير من المراقبين أن التطبيق العملي لهذه السياسة لا يخلو من ازدواجية في المعايير. فهناك ترتيبات أمنية وتعاون نووي يُسمح به مع بعض الحلفاء، في حين تواجه دول أخرى ضغوطاً سياسية واقتصادية، وأحياناً عسكرية، بدعوى منعها من تطوير قدرات قد تُفسر بأنها ذات أبعاد عسكرية. كما أن انهيار عدد من اتفاقيات الحد من التسلح، وتعثر مفاوضات نزع السلاح، وتراجع الثقة بين القوى الكبرى، كلها عوامل أسهمت في إعادة إحياء سباق التسلح، ولكن بأدوات أكثر تطوراً وخطورة من أي وقت مضى.
ولم يعد الخطر النووي مرتبطاً بمواجهة ثنائية كما كان الحال خلال الحرب الباردة، بل أصبح موزعاً على عدد من بؤر التوتر التي قد تتقاطع في لحظة واحدة. فالحرب في أوكرانيا أعادت الخطاب النووي إلى الساحة الأوروبية، والتوتر المتصاعد حول تايوان يهدد بتحويل منطقة الإندو-باسيفيك إلى مسرح لمواجهة بين القوى الكبرى، بينما تواصل شبه الجزيرة الكورية إنتاج أزمات أمنية متكررة في ظل البرنامج النووي الكوري الشمالي. أما الشرق الأوسط، الذي يعاني أصلاً من صراعات مزمنة، فيظل معرضاً لتداعيات أي تصعيد يتعلق بالملف النووي أو بالتنافس بين القوى الإقليمية والدولية. ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والأسلحة الفرط صوتية، والحرب السيبرانية إلى معادلات الصراع، لم تعد المخاطر تقتصر على قرار سياسي باستخدام السلاح النووي، بل امتدت إلى احتمالات سوء التقدير، أو الأعطال التقنية، أو التصعيد غير المقصود، وهي سيناريوهات تجعل العالم اليوم أقرب إلى مرحلة من عدم اليقين الاستراتيجي لم يشهدها منذ عقود.
إن أخطر ما يواجه البشرية ليس امتلاك الأسلحة النووية فحسب، بل تراجع الإرادة السياسية للتخلص منها، وتنامي الخطاب الذي يجعل من القوة العسكرية الوسيلة الأولى لحل النزاعات. وإذا استمر العالم في هذا المسار، فإن التاريخ قد لا يعيد نفسه بالصورة ذاتها، لكنه قد يعيد إنتاج المأساة بأدوات أكثر فتكاً وتدميراً.
ولذلك، فإن أفضل وفاء لضحايا هيروشيما وناغازاكي، وأصدق وفاء لملايين ضحايا الحروب في العالم العربي وسائر أنحاء العالم، هو أن تتحول ذكرى السادس من أغسطس إلى محطة سنوية لمراجعة الضمير الإنساني، وتجديد الالتزام ببناء نظام دولي أكثر عدلاً وتوازناً، لا مكان فيه لسياسة الابتزاز النووي أو ازدواجية المعايير، ولا لسباقات التسلح التي تهدد مستقبل البشرية.
فالعالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الرؤوس النووية، بل إلى مزيد من الحكمة. ولا يحتاج إلى توازن الرعب، بل إلى توازن العدالة. ولا يحتاج إلى تعميم الردع النووي، بل إلى تعميم ثقافة السلام. عندها فقط يمكن القول إن الوعد الذي قطعته الإنسانية على نفسها عام 1946 لم يعد مجرد حلم مؤجل، بل مشروعاً قابلاً للتحقيق، يضمن للأجيال القادمة أن تعيش في عالم أكثر أمناً، وأكثر إنسانية، وأقل خوفاً من تكرار هيروشيما
وعندما تأسست الأمم المتحدة عام 1945، تعهد المجتمع الدولي، في ديباجة ميثاقها، بإنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يكون أول قرار اعتمدته الجمعية العامة عام 1946 مخصصاً لوضع الأسس لإزالة الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، إدراكاً من قادة العالم آنذاك أن بقاء هذا السلاح يشكل تهديداً لوجود البشرية بأسرها، لا لدولة بعينها. غير أن ذلك التعهد ظل أسيراً لحسابات الحرب الباردة، ثم رهينة معادلات الردع النووي والتنافس بين القوى الكبرى، حتى أصبح العالم اليوم يمتلك ترسانات أكثر تطوراً ودقة وفتكاً مما كان عليه في منتصف القرن الماضي.
إن الرسالة التي تحملها هيروشيما لا تقتصر على استذكار مأساة إنسانية، بل تدعو إلى مراجعة شاملة لمفهوم الأمن الدولي. فالتجربة أثبتت أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بتراكم الرؤوس النووية، ولا بسباقات التسلح، وإنما ببناء الثقة، وإحياء الدبلوماسية، واحترام القانون الدولي، وإعادة إطلاق مفاوضات الحد من التسلح. فكلما ارتفعت مستويات الاستقطاب، وتراجعت قنوات الحوار، وتعاظمت النزاعات العسكرية، اقترب العالم من لحظة قد يكون فيها سوء التقدير أو الخطأ التقني أو القرار المتهور كافياً لإشعال أزمة ذات عواقب لا يمكن احتواؤها.
وتتضاعف خطورة هذا المشهد مع اتساع رقعة الأزمات الدولية. فالحرب في أوكرانيا، والتوتر المتصاعد حول تايوان، والسباق العسكري في شرق آسيا، واستمرار الأزمات في الشرق الأوسط، كلها مؤشرات إلى أن العالم يعيش مرحلة غير مسبوقة من التنافس الاستراتيجي، تتداخل فيها الأسلحة النووية مع الذكاء الاصطناعي، والأسلحة الفرط صوتية، والحرب السيبرانية، والطائرات المسيّرة. ولم تعد المخاطر تقتصر على اندلاع حرب نووية متعمدة، بل أصبحت ترتبط أيضاً بإمكانية وقوع أخطاء في الحسابات أو سوء تقدير قد يخرج الأزمات عن السيطرة.
وفي قلب هذه المعادلة يقف العالم العربي، الذي دفع خلال العقود الماضية أثماناً باهظة الحروب والاحتلالات والصراعات الإقليمية والتدخلات الخارجية، في وقت لا يزال يواجه تحديات أمنية متزايدة. ومن هنا، فإن المطالبة بجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية تظل هدفاً مشروعاً وضرورة استراتيجية، لكنها لا يمكن أن تحقق الأمن المنشود إذا بقيت الأسلحة النووية جزءاً من معادلات القوة العالمية. فالأمن لا يتجزأ، ولا يمكن بناء نظام دولي مستقر على أساس امتلاك بعض الدول وسائل الإبادة الشاملة، بينما تُحرم دول أخرى من الحقوق ذاتها تحت شعارات مختلفة. إن الخطر النووي، إذا انفجر، لن يعترف بالحدود، ولن يميز بين شرق وغرب أو شمال وجنوب.
لهذا، فإن الدعوة اليوم يجب ألا تكون لإخلاء الشرق الأوسط وحده من الأسلحة النووية، بل لإحياء المشروع الذي تبنته الأمم المتحدة منذ عام 1946، والقائم على بناء عالم خالٍ من السلاح النووي. قد يبدو هذا الهدف بعيد المنال في ظل التوترات الراهنة، لكنه يبقى الخيار الوحيد القادر على حماية الإنسانية من كارثة قد تتجاوز في آثارها كل ما عرفه التاريخ من حروب.
قد يكون الوعد الذي قطعته الأمم المتحدة قبل ثمانية عقود لم يتحقق بعد، لكنه لم يفقد شرعيته ولا ضرورته. إنه وعد مؤجل، لا وعد مستحيل. وتحقيقه يتطلب إرادة سياسية تعلو على حسابات الهيمنة، وتغلب الأمن الجماعي على منطق الردع النووي، وتعيد الاعتبار للقانون الدولي بوصفه الضامن الحقيقي للاستقرار العالمي.
إن أفضل تكريم لضحايا هيروشيما وناغازاكي، وأصدق وفاء لملايين ضحايا الحروب في العالم العربي وسائر أنحاء العالم، هو ألا تبقى ذكراهم مناسبة سنوية لإلقاء الخطب أو وضع أكاليل الزهور، بل أن تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة التفكير في مستقبل الأمن العالمي. فالعالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الرؤوس النووية، بل إلى مزيد من الحكمة، ولا إلى توازن الرعب، بل إلى توازن العدالة، ولا إلى تعميم الردع النووي، بل إلى تعميم ثقافة السلام. وعندها فقط يمكن القول إن مأساة هيروشيما لم تذهب سدى، وإن الإنسانية تعلمت، أخيراً، الدرس الذي كُتب بدماء عشرات الآلاف من الأبرياء
*كاتب صحفي مستشار مميز في مؤسسة تيليتوما للدراسات الاستراتيجية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر