الثلاثاء , أغسطس 18 2026
الرئيسية / اراء / إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف.. موقف في مواجهة الاستكبار

إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف.. موقف في مواجهة الاستكبار

 

بقلم/ محمد الصالحي

ليس ارتباطنا بالرسول الأعظم محمد صلوات الله عليه وعلى آله وسلم ارتباطاً عاطفياً عابراً، ولا علاقة موسمية تستيقظ مع ذكرى المولد النبوي الشريف ثم تنطفئ بانتهاء المناسبة. إن ارتباطنا به ينطلق أولاً من عبوديتنا لله سبحانه وتعالى؛ فنحن نؤمن برسول الله لأنه رسول الله، ونراه المبلغ عن ربه، والأسوة التي أمر الله بالاقتداء بها، والمنهج الذي لا يجوز اختزاله في الذكر والثناء والاحتفال.

ولهذا فإن حضور الرسول الأعظم في حياتنا لا ينبغي أن يكون حضوراً وجدانياً أو تاريخياً فحسب، بل يجب أن يكون حضوراً عملياً في وعينا ومواقفنا وسلوكنا، وفي طريقة تعاطينا مع قضايا الأمة. فلا معنى لأن نحتفي برسول الله، ثم نفصل سيرته عن واقعنا، أو نستحضر مواقفه في المناسبات ونغيب منهجه عندما يتعلق الأمر بالعدوان والحصار والاستكبار وانتزاع الحقوق.

إن إحياء المولد النبوي الشريف، على صاحبه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم، ليس مجرد احتفال بذكرى ولادة شخصية عظيمة، وإنما هو إحياء للمنهج المحمدي في واقعنا؛ منهج العبودية لله، والعزة والكرامة، والثبات في مواجهة الطغيان، ونصرة المستضعفين، ورفض الخضوع لإرادة المعتدي.

ومن هنا فإننا بحاجة إلى قراءة السيرة النبوية قراءةً عملية، لا قراءة جامدة تحوّل أحداثها إلى حكايات تاريخية نرويها ثم نغلق صفحاتها. فالرسول الأعظم لم يكن قائداً روحياً منعزلاً عن واقع الصراع، ولم يتعامل مع العدوان بمنطق الاستسلام وانتظار أن يتراجع المعتدي من تلقاء نفسه. لقد بنى القوة، وأدار الصراع، واستخدم أدوات الضغط المتاحة، وتحرك لحماية المسلمين واستعادة حقوقهم، وأعاد تشكيل ميزان القوة مع قريش.

ومن أبرز الدروس التي تكشف ذلك غزوة بدر الكبرى.

فلم يكن توجه الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم نحو قافلة قريش القادمة من الشام بقيادة أبي سفيان منفصلاً عن سياق الصراع، ولا مبادرةً عدوانية معزولة عن مقدماته. كانت قريش قد بدأت العدوان على المسلمين، وأخرجتهم من ديارهم، وصادرت أموالهم، وواصلت الضغط والتهديد على الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة.

وفي هذا السياق اتجه الرسول الأعظم إلى الضغط على المصالح الاقتصادية لقريش، في محاولة لإعادة تشكيل معادلة القوة معها، وإفهامها أن العدوان ليس فعلاً بلا كلفة، وأن من يستخدم قوته الاقتصادية والعسكرية لإخضاع الآخرين لا يمكن أن يفترض أن الطرف المعتدى عليه سيبقى عاجزاً عن استخدام ما يملكه من أوراق ضغط.

وهنا تحديداً يظهر درس بالغ الأهمية لواقعنا اليوم.

من يفرض الحصار لا يمكن أن يتوقع أن يبقى الحصار سلاحاً من طرف واحد، ومن يفرض كلفة العدوان على خصمه لا يستطيع أن يطالب خصمه بتحملها وحده.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم معادلة «الحصار بالحصار» باعتبارها تعبيراً معاصراً عن مبدأ أصيل في إدارة الصراع تكشفه الممارسة النبوية: مواجهة الضغط بالضغط، ونقل جزء من كلفة العدوان إلى المعتدي، وامتلاك أوراق قوة تمنع الخصم من استخدام قوته لإخضاع الطرف الآخر دون أن يدفع ثمناً.

وهنا ينبغي التمييز بدقة: لسنا نقول إن عبارة «الحصار بالحصار» وردت بهذا اللفظ في السنة النبوية، وإنما نقول إن المبدأ الذي تعبّر عنه المعادلة له جذور واضحة في الممارسة النبوية في إدارة الصراع والضغط والردع وحماية الحقوق.

وهذا ليس تفصيلاً لغوياً؛ بل هو ما يجعل الاستناد إلى السيرة أكثر قوة وصلابة. فالرسول الأعظم لم يتعامل مع قريش بمنطق أن المسلمين عليهم أن يتحملوا العدوان ومصادرة الأموال والتهديد، ثم ينتظروا من المعتدي أن يتكرم برفع الظلم. بل تحرك بما امتلكه من وسائل وقدرات لإعادة صياغة المعادلة.

وهذا هو جوهر الردع: أن يعرف المعتدي أن اعتداءه لن يبقى بلا تبعات، وأن يدرك أن القوة التي يستخدمها ضد خصمه ليست القوة الوحيدة الموجودة في المعادلة، وأن يفهم أن استمرار الضغط على الطرف الآخر يمكن أن يتحول إلى ضغط على مصالحه هو أيضاً.

وهذا بالضبط ما تعبّر عنه اليوم معادلات الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد، والاعتداء بالرد، والأمن بالأمن.

إنها ليست دعوة إلى الحرب من أجل الحرب، ولا رغبة في التصعيد لذاته، وإنما رفض صريح لمنطق القوة الأحادية الذي تريد دول العدوان فرضه على اليمن.

لقد أرادت دول العدوان أن تجعل الحصار أداة لإخضاع الشعب اليمني، وأن تحول الضغوط الاقتصادية والسياسية إلى وسيلة لفرض إرادتها، وأن تجعل معاناة اليمنيين ثمناً دائماً لصراع تريد إدارته من موقع القوة.

لكن هذه المعادلة لا ينبغي أن تستمر.

الحصار لا يمكن أن يبقى سلاحاً مجانياً.

والتصعيد لا يمكن أن يكون طريقاً باتجاه واحد.

والعدوان لا يمكن أن يكون بلا ثمن.

نحن لا نريد استمرار الحصار، وإنما نريد كسر الحصار. ولا نريد التصعيد لذاته، وإنما نريد ردع العدوان وإنهاء أسبابه. والفرق شاسع بين من يستخدم القوة لإخضاع الآخرين، وبين من يمتلك القوة لمنع إخضاعه.

دول العدوان هي التي اختارت الحرب والضغط والحصار والتهديد، أما الردع المقابل فهو نتيجة مباشرة لهذا السلوك ومحاولة لإجبار المعتدي على إعادة حساباته.

ولذلك فإن من يريد إدانة الرد اليمني عليه أن يبدأ من أصل المشكلة: من بدأ العدوان؟ من فرض الحصار؟ من أراد تحويل اليمن إلى طرف محاصر بلا قدرة على الرد؟

أما مطالبة اليمن بأن يتحمل العدوان، ثم اعتبار أي محاولة لكسر المعادلة «تصعيداً»، فليست حياداً، وإنما انحياز مكشوف للمعتدي.

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدول هو الاعتقاد بأنها تستطيع استخدام القوة دون كلفة. هذه العقلية هي التي تطيل الحروب؛ لأنها تجعل المعتدي يعتقد أن بإمكانه الاستمرار في الضغط دون أن تتغير حساباته.

لكن حين تصبح للعدوان كلفة، تتغير الحسابات.

وهنا تأتي قيمة الردع.

فالردع ليس حرباً؛ الردع هو جعل الحرب أقل جاذبية للمعتدي.

ولهذا فإن معادلة التصعيد بالتصعيد لا تعني أن الهدف هو استمرار التصعيد، وإنما تعني الوصول إلى النقطة التي يدرك عندها المعتدي أن استمرار التصعيد سيضر بمصالحه أكثر مما يحقق له.

وهذا هو جوهر المعادلة السياسية التي ينبغي فهمها بعيداً عن الدعاية الإعلامية لدول العدوان.

أما قضية الحقوق، فهي أكثر وضوحاً.

فالرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم لم يتعامل مع حقوق المسلمين باعتبارها ملفاً يمكن دفنه تحت ضغط موازين القوة. لقد اتجه إلى امتلاك أدوات القوة والضغط التي تمكن المسلمين من مواجهة قريش واستعادة حقوقهم، في سياق صراع كانت قريش قد بدأت فيه بإخراج المسلمين من ديارهم ومصادرة أموالهم والاعتداء عليهم.

وهنا يقدم لنا الرسول درساً لا لبس فيه: الحقوق لا تُستعاد بالتمني، ولا تُحمى بالخضوع، ولا تنتزع من المعتدي بمجرد المناشدات.

الحقوق تحتاج إلى إرادة تحميها، وقوة تردع من يعتدي عليها، وصمود يجعل استمرار سلبها أكثر كلفة من إعادتها.

واليمن اليوم لا يطالب بمنّة من أحد.

إنه يطالب بحقه في السيادة، ورفع الحصار، وفتح المطارات والموانئ، وإنهاء القيود، واستعادة حقوقه الاقتصادية، ووقف العدوان، وامتلاك قراره الوطني بعيداً عن الوصاية والتدخل الخارجي.

هذه ليست مطالب ترفية، وليست أوراقاً سياسية قابلة للإسقاط بتغيير الحكومات أو تبدل المبعوثين أو عقد المؤتمرات.

هذه حقوق شعب، والحقوق لا تسقط لأن دول العدوان قررت مصادرتها.

ومن هنا فإن الصمود اليمني لا ينبغي أن يُختزل في مجرد القدرة على تحمل المعاناة. القيمة الحقيقية للصمود هي أن يتحول إلى قدرة على تغيير المعادلة:

الحصار يتحول إلى ورقة ضغط، والضغط إلى ردع، والردع إلى قدرة على انتزاع الحقوق.

وهنا يصبح درس بدر أكثر حضوراً.

فبدر لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، وإنما كانت لحظة تاريخية سقطت فيها هيبة قوة اعتقدت أن تفوقها كافٍ لفرض إرادتها.

وهذا هو الدرس الذي تحتاجه الأمم المستضعفة: لا تنظر إلى ضخامة الخصم فتستسلم قبل أن تبدأ.

نعم، القوة المادية مهمة، والإعداد والتخطيط والتنظيم عوامل حاسمة، لكن القوة ليست مجرد أرقام في مخازن السلاح، أو حجم الاقتصاد، أو عدد الجنود.

هناك قوة الإرادة، وقوة الصمود، وقوة المجتمع، وقوة القضية، وقوة القدرة على تحمل الضغوط، وقوة امتلاك أوراق التأثير، والقدرة على تحويل نقاط الضعف إلى نقاط ضغط على الخصم.

وهذه كلها عناصر في ميزان القوة لا تستطيع دول العدوان تجاهلها.

ومن هنا يجب أن يكون إحياء المولد النبوي الشريف مناسبة لإعادة قراءة هذه الدروس، لا لترديدها فقط.

فما قيمة أن نقول إننا نحب رسول الله، ثم نعطل منهجه في واقعنا؟

وما قيمة أن نحتفل بمولده، ثم نقبل بمنطق الاستكبار الذي يحول الشعوب إلى ساحات مفتوحة لمصالح القوى الكبرى؟

وما قيمة أن نستحضر بدر، ثم نطلب من الأمة أن تخضع لمجرد أن خصمها يمتلك إمكانات أكبر؟

إن الاقتداء الحقيقي بالرسول موقف، والمحبة الحقيقية مسؤولية، والإيمان الحقيقي يفرض على الأمة أن ترفض الذل والاستعباد.

ولهذا فإن المولد النبوي الشريف بالنسبة لنا ليس مناسبة لإحياء الذكرى فقط، وإنما مناسبة لإحياء الوعي المحمدي في الأمة؛ وعي الإنسان الذي يعبد الله ولا يعبد القوة، ويعرف حقه ولا يتنازل عنه، ويواجه الظلم ولا يبرره، ويبني أسباب القوة ولا يعيش على الأماني.

إن الرسالة التي ينبغي أن نخرج بها من المولد واضحة:

لا نقبل أن يتحول الحصار إلى قدر دائم.

لا نقبل أن يصبح العدوان أمراً اعتيادياً.

لا نقبل أن تكون حقوق اليمن رهينة لإرادة دول العدوان.

ولا نقبل أن يُطلب من اليمن أن يدفع ثمن الحرب وحده.

ومن أراد استمرار الحصار، فعليه أن يدرك أن الحصار لم يعد ورقة مجانية.

ومن يريد التصعيد، فعليه أن يدرك أن التصعيد لن يكون بلا تبعات.

ومن يريد الاعتداء، فعليه أن يدرك أن الاعتداء سيواجه بالردع.

ومن يريد الأمن لنفسه، فعليه أن يفهم أن الأمن لا يمكن أن يكون امتيازاً لطرف واحد؛ الأمن بالأمن.

وهذه ليست فلسفة للحرب، وإنما فلسفة لفرض السلام من خلال توازن القوة.

فالسلام الذي يقوم على استسلام طرف وإملاءات الطرف الآخر ليس سلاماً، بل هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع.

أما السلام الذي يقوم على الردع والتوازن واحترام الحقوق والسيادة، فهو السلام الذي يمكن أن يستمر.

وهنا تحديداً تلتقي رسالة المولد مع درس بدر: عبودية لله، واقتداء برسوله، ورفض للطغيان والاستكبار، وثبات على الحق، وبناء للقوة، وامتلاك لأوراق الردع، وانتزاع للحقوق.

إننا لا نحيي مولد رسول الله لكي نعيش الماضي، وإنما لكي نعرف كيف نحيا الحاضر بمنهجه.

ولا نستحضر بدر لكي نتغنى بانتصار تاريخي، وإنما لكي نفهم أن هيبة القوة يمكن أن تُكسر، وأن موازين الصراع يمكن أن تتغير، وأن المعتدي يمكن أن يُجبر على إعادة حساباته عندما يكتشف أن استمرار عدوانه سيكلفه أكثر مما يحقق له.

وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تكون واضحة اليوم: اليمن لا يبحث عن حرب لا تنتهي، وإنما يسعى إلى إنهاء الحصار والعدوان. لكنه لن يقبل أن يكون ثمن السلام هو الاستسلام، ولن يقبل أن تكون حقوقه رهينة بيد دول العدوان.

فمن أراد السلام فليوقف العدوان.

ومن أراد الأمن فليوقف الاعتداء.

ومن أراد الاستقرار فليرفع الحصار.

أما محاولة إبقاء اليمن محاصراً ومطالبته في الوقت نفسه بالتخلي عن أدوات الردع، فليست سياسة سلام، وإنما محاولة لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع.

وهذه المعادلة انتهت.

لقد علّمنا الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم أن الأمة لا تحمي كرامتها بالأماني، وأن الحق يحتاج إلى من يحمله، وأن المعتدي يجب أن يدرك أن عدوانه لن يكون بلا كلفة.

وفي ذكرى مولده الشريف، فإن موقفنا واضح: نحن مع الحق، ومع الكرامة، ومع السيادة، ومع فك الحصار عن اليمن، ومع امتلاك أدوات الردع التي تمنع دول العدوان من فرض إرادتها بالقوة.

إن معادلة الحصار بالحصار ليست شعاراً عابراً، وإنما تعبير معاصر عن مبدأ ردعي يمكن استلهامه من درس السيرة: لا تسمح للمعتدي أن يحتكر أدوات الضغط، ولا تمنحه القدرة على فرض كلفة عدوانه عليك وحدك.

والتصعيد بالتصعيد ليس غاية، وإنما رسالة إلى المعتدي بأن استمرار التصعيد سيجعل كلفته متبادلة.

وفي النهاية، فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه في ذكرى مولد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم هو أن نجعل من محبته قوةً في حياتنا، ومن سيرته وعياً في واقعنا، ومن دروس بدر ثباتاً في مواجهتنا، ومن صمودنا طريقاً إلى انتزاع حقوقنا، ومن معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد وسيلةً لكسر معادلة الإخضاع والوصول إلى سلام عادل يحفظ لليمن كرامته وسيادته وحقوقه.

نقلا عن موقع صحيفة ٢٦ سبتمبر العدد٢٤٦٩، الاثنين ٤ ربيع الاول ١٤٤٨هـ، ١٧ اغسطس ٢٠٢٦م.

عن اليمن الحر

شاهد أيضاً

عن أحرار قبائل مأرب..!

نبيل بن جبل* قبائل مأرب التي يشهد لها التاريخ بمواقفها المشرفة والعظيمة والأصيلة لا يقبل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *