الثلاثاء , أغسطس 25 2026
الرئيسية / اراء / النبي القائدٌ!

النبي القائدٌ!

يوسف حسن صبرة*
في سجلات التاريخ البشري، حيث تتكدس أسماء القادة والعظماء كنجومٍ في سماءٍ مزدحمة، يبرز اسمٌ واحدٌ لا يشبهها، ولا يقاس بمعاييرها. إنه محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الرجل الذي خرج من جوف الصحراء، حاملاً من البلاغة، ما جعل الخطباء يقفون عاجزين، ومن الحكمة ما أبهر العقلاء، ومن العزيمة ما حطم المستحيل. لم يغير هذا الرجل الاستثنائي معادلات زمانه فحسب، بل أعاد كتابة قواعد اللعبة الإنسانية برمتها، مقدماً للعالم نموذجاً في القيادة لا يُقلَّد، وفي الفصاحة لا يُضاهى، وفي مواجهة التحديات لا يُقهر.

كان محمدٌ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أفصح العرب لساناً، وأبينهم بياناً، حتى قال عنه أئمة اللغة: “أوتي جوامع الكلم”. لم تكن فصاحته مجرد زينة لفظية، بل كانت سلاحاً نافذاً يفتح القلوب قبل العقول، ويقنع الحجاج قبل الخصوم. كان يتحدث فيغمر السامعين ببيانه الساحر، ويأسرهم ببلاغته العذبة، وكأنما نطقه وحي يتلى، وكلامه شهد يُملى. علّم أصحابه، رضوان الله عليهم، كيف يختارون الكلمة في موضعها، وكيف يراعون المخاطب وأحواله، فصار مدرسة متنقلة في الأدب والبيان، خرّجت فصحاء وبلغاء تركوا في الأدب العربي أثراً لا يُمحى. وهكذا، لم يكن محمدٌ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مجرد قائد سياسي أو عسكري، بل كان معلم فصاحةٍ غيّر مسار اللغة العربية، ورفعها إلى آفاق لم تكن تحلم بها قبله.

أما في ميدان القيادة، فكان محمدٌ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ظاهرة فريدة لا تتكرر. قاد أمته في أحلك الظروف، وأصعب المعارك، وأعقد التحديات، ولم يكن يوماً مجرد قائد من بعيد، بل كان في طليعة الصفوف، يأكل مما يأكل جنوده، وينام على التراب كما ينامون، ويبكي لفقدان حمزة كما يبكي اليتيم. هذه القيادة المتواضعة، التي لا تعرف الترف ولا التمايز، جعلت الرجال يذوبون في طاعته، ويمضون بأمره إلى الموت بكل ارتياح، لأنه كان قدوتهم في الجهاد قبل أن يكون أميرهم. لكن ما يميز قيادته حقاً، أنها لم تكن عنترية جامدة، بل كانت مرنة كالماء، وحكيمة كالدهر. في بدر، واجه قوةً قرشية متفوقة بثلاثة أضعاف، فلم يتردد وكان النصر حليفه. وفي أحد، حين خانته الظروف، لم ينهزم معنوياً، بل أعاد ترتيب جيشه، وخرج من الهزيمة أقوى مما دخلها. وفي الخندق، ابتكر حلاً لم يسبق له مثيل في جزيرة العرب؛ حفر خندقاً، محولاً الجغرافيا إلى سلاح يكسر شوكة الفرسان. هذه العبقرية التكتيكية، التي تمزج بين الإيمان والعقل، وبين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، هي التي جعلته ينتصر حيث يخسر غيره، ويقوم حيث يسقط الآخرون.

وفي الأفق البعيد، كان محمدٌ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يرسم استراتيجية كونية لم يسبق لها مثيل. حين أرسل رسله إلى كسرى وقيصر، لم يكن يطلب جزيةً ولا خضوعاً، بل كان يعلن مبدأ جديداً في العلاقات الدولية: أن القوة ليست في عدد الجنود ولا اتساع الرقعة، بل في عدالة القضية، وصدق الرسالة، وتماسك الأمة. نجح في أن يخلق توازناً جديداً في المنطقة، حيث لم تعد الجزيرة العربية هامشاً تافهاً بين إمبراطوريتين، بل أصبحت قلباً نابضاً يهدد كيان الفرس والروم، ويجذب أنظار العالم إليه. هذا التحول الجيوسياسي الهائل، الذي تم في أقل من عقدين، هو معجزة القيادة النبوية التي لا تزال تدرس في أكاديميات الحرب والاستراتيجية حتى اليوم.

ما يجعل محمداً، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ظاهرة عالمية خالدة، أنه استطاع في زمن قياسي أن يقلب موازين مجتمع بأكمله، وينقل أمته من هامش التاريخ إلى مركزه، ومن ظلمات الجاهلية إلى نور الحضارة. جمع في شخصيته بين الروحانية والسياسة، وبين الرحمة والحزم، وبين الرؤية الملهمة والإدارة الواقعية، وبين الفصاحة اللافتة والحكمة البالغة. هذا التداخل العجيب بين القداسة واليومية جعل منه نموذجاً قريباً، وليس بعيداً منجماً، وهنا تكمن قوته الخالدة: إنه الإنسان الكامل في أخلاقه، والمعلم البليغ في بيانه، وهذا ما يجعل الاقتداء به ممكناً وحقيقياً في كل زمان ومكان.

وفي عصرنا المضطرب، حيث تتلاشى القيم، ويختلط الغث بالسمين، وتفقد القيادةُ بصيرتَها، وتفقد الكلمةُ بريقَها، تبرز الحاجة إلى محمدٍ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كظاهرة عالمية من جديد. نحتاج إلى حكمته في إدارة الخلافات، وإلى أخلاقه في التعامل مع التنوع، وإلى رؤيته في إقامة العدل دون تمييز، وإلى بلاغته التي تقنع قبل أن تبهر، وتعلّم قبل أن تُلهب. نحتاج إلى قائد يعلّمنا كيف نواجه المستحيل بحكمة، وكيف نغير المعادلات بإرادة، وكيف نصنع من الضعف قوة، ومن التشرذم وحدة، ومن اليأس أملًا.
*نقلا عن الثورة

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

في ذكرى المولد النبوي الشريف!

احمد الشاوش* تحتفل العاصمة صنعاء وجميع دول العالم العربي والاسلامي بالذكرة العطرة بمناسبة المولد النبوي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *