الجمعة , سبتمبر 25 2026
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / معضلة التحالفات السعودية ضد اليمن: باب المندب يختبر نفوذ واشنطن وتل أبيب

معضلة التحالفات السعودية ضد اليمن: باب المندب يختبر نفوذ واشنطن وتل أبيب

 

بقلم حسين النهاري

خلال أيام قليلة، انتقلت الحرب بين صنعاء والرياض من كونها مواجهة سعودية ـ يمنية متجددة إلى اختبار مباشر لحدود النفوذ الأميركي في المنطقة. فالتقدم الميداني للقوات المسلحة اليمنية في الساحل الغربي، والسيطرة على مضيق باب المندب، على حساب القوات السعودية والتحشيدات التابعة لها، لا يغيران خريطة السيطرة في اليمن فحسب؛ بل يعيدان توزيع أوراق القوة على ضفاف البحر الأحمر، ويضعان المضيق في قلب معادلة جديدة تشكل هاجساً للرياض من جهة ولواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى.

وهنا تحديدًا تتبدى القيمة الاستراتيجية لباب المندب. فهذا المضيق ليس مجرد ممر مائي بين البحر الأحمر والمحيط الهندي؛ بل يمثل إحدى العقد الجغرافية التي تتقاطع عندها حركة التجارة الدولية وانتشار القوة العسكرية والأطماع الإسرائيلية في البحر الأحمر. ولهذا لا تستطيع واشنطن التعامل مع التحول في محيط باب المندب باعتباره أزمة تقع على هامش مصالحها.

لكن المعضلة أن حماية المصالح قد تستدعي تدخلاً، فيما قد يقود التدخل نفسه إلى تقويض تلك المصالح. فالتدخل الأميركي إلى جانب السعودية، إن وقع، قد لا يبقى محدود الأثر؛ إذ يمكن أن ينقل الصراع من مستوى الحرب السعودية ـ اليمنية إلى مستوى تجدد المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والقوات المسلحة اليمنية، بما يفتح مسارًا يصعب على واشنطن ضبط سقفه أو تحديد لحظة الخروج منه في وقت تخوض فيها الأخيرة مواجهة إقليمية أوسع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مضيق هرمز.

والمفارقة أن الرياض نفسها تواجه معضلة شبيهة. فاتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس الماضي، فالاتفاق لا يحدد علنًا كل السيناريوهات التي تستوجب تدخلًا عسكريًا، كما أن آليات تفعيله ما زالت موضع بناء وتطوير.

وفي هذا السياق تبرز العلاقات السعودية ـ الإسرائيلية بوصفها أحد أكثر التحولات دلالة. فقد كشفت تقارير صحفية إسرائيلية نشرتها جيروزاليم بوست وإسرائيل هيوم عن مباحثات بين الرياض وتل أبيب، تقودها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، لتقديم دعم استخباري للسعودية في مواجهة القوات المسلحة اليمنية. ووفق تلك التقارير، لم تكن المسألة مجرد تبادل سياسي، بل بحثًا في بناء تعاون استخباري أوسع بشأن انتشار القوات المسلحة اليمنية وقدراتها ومواقعها والعمليات المحتملة.

وهنا لا تبدو واشنطن مجرد طرف ثالث في هذه العلاقات، بل بوابة اتصال أمنية تجمع الرياض وتل أبيب حول اليمن. فالتعاون الاستخباري، إذا استمر واتسع، يضع الحرب على اليمن داخل بنية أمنية إقليمية جديدة تتداخل فيها المصالح السعودية والإسرائيلية والأميركية.

لكن هذا المسار نفسه يحمل تناقضًا إضافيًا. فكلما اتسعت شبكة الدعم حول السعودية، اتسعت معها دائرة الأطراف التي قد تصبح جزءًا من الحسابات لدى صنعاء. وهنا يمكن أن تتحول المساعدة الاستخبارية من أداة لتقليص المخاطر إلى عامل يوسع نطاق الحرب، التي تلقي بظلالها على عصب الاقتصاد السعودي.

ومنذ تجدد الصراع في اليمن، بعثت صنعاء برسائل تفيد بأن الملاحة في البحر الأحمر ليست هدفًا لها ما لم تتورط الدول في الحرب إلى جانب السعودية، التي تخضع لمعادلة صنعاء «الحصار بالحصار»، تاركة أمام واشنطن مساحة للمناورة الدبلوماسية بدل الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

لكن الضربات اليمنية في العمق السعودي والآخذة بالتصاعد والاتساع تضيف إلى الحرب عاملًا أكثر حساسية فالقوات المسلحة اليمنية أعلنت في آخر بياناتها عن تنفيذ عملية عسكرية واسعة في منطقة الطوال بجيزان، قالت إنها استهدفت تحشيدات عسكرية سعودية ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة ومواقع أخرى، مستخدمة عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. وذكر البيان إن العملية جاءت بعد رصد إطلاق أكثر من 200 صاروخ من منطقة جيزان باتجاه صعدة وحجة. وتأتي العملية بالتزامن مع استمرار الغارات السعودية والدفع بمزيد من التحشيدات إلى الداخل اليمني.

وهنا تتبلور بصورة أوضح معادلة «الحصار بالحصار» و «التصعيد بالتصعيد» التي أعلنتها صنعاء، عبر نقل كلفة استمرار الحرب والحصار إلى المجال السعودي نفسه، بحيث لا تبقى الجغرافيا اليمنية وحدها ساحة لتحمل تبعات التصعيد.

وهذه المعادلة لا تعني بالضرورة حسمًا عسكريًا للصراع، لكنها تغير حسابات الكلفة. فالسعودية تستطيع مواصلة الضغط العسكري داخل اليمن، لكن استمرار الردود في العمق السعودي يضيف إلى الحرب كلفة أمنية واقتصادية وسياسية تتجاوز حدود الجبهة اليمنية ولم تعد الرياض قادرة على التعامل معها منفردة.

والأمر نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على مسار التعاون الأمني بين الرياض وتل أبيب واتفاق مكة. فالسعودية تبحث عن شبكة أوسع للحماية، لكنها كلما وسعت هذه الشبكة، أصبحت الحرب على اليمن أقل قابلية للحصر داخل حدودها، وأكثر اتصالًا ببنية أمنية إقليمية تتقاطع فيها واشنطن والرياض وتل أبيب وأنقرة وإسلام آباد.

وهنا تحديدًا تصبح التحالفات السعودية أمام اختبارها الحقيقي
فالمشكلة لم تعد في عدد الدول التي يمكن جمعها حول السعودية، ولا في حجم المعلومات الاستخبارية التي يمكن تبادلها، بل في كلفة الحرب التي تسعى السعودية لإضافة  أطراف جديدة اليها واستمرار تحشيداتها في الداخل اليمني.

ففي نهاية المطاف، لا يختبر مضيق باب المندب قدرة السعودية على حشد المزيد من التحالفات في حرب ترفض السعودية إغلاق حساباتها فحسب؛ بل يختبر قدرتها على إنهاءها قبل أن تصبح شبكة التحالفات نفسها جزءًا من المشكلة.

عن اليمن الحر

شاهد أيضاً

خليجي 27 .. في انتظار بكاء الجزائري ولد علي..!

عبدالله الصعفاني إذا كنت من محبي منتخب اليمن لكرة القدم، أرجو أن تتفاءل.. ولا بأس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *