وديع العبسي*
منذ وقت مبكر، من العدوان على الشعب اليمني وتدمير بنيته التحتية، ودفن أي أمل في وصول هذا الوطن إلى شاطئ الاستقرار، وحرمانه من أن يتنفس الحرية يوماً ويعيش إيقاع الحياة الحديثة..
ومنذ أعطت الرياض لنفسها الحق، وتولّت هندسة الواقع والمستقبل اليمني، وضخّت الأموال لشراء المواقف والكميات المهولة من السلاح لاستهداف المحافظات الحرة..
ومنذ تبيّن أن الرياض هي فقط صاحبة الرأي في الحملة العدوانية وفي الشأن اليمني داخلياً وخارجياً، وأن التحرك خارج المساحة التي ترسمها سيُجابه بالقتل والتدمير، بالصواريخ، بالقنابل أو حتى بسلاح التجويع..
منذ ذلك الحين، اتضح للمراقبين وللعالم أجمع أن المعركة في حقيقتها هي معركة الرياض وواشنطن؛ في حين تلاشت فاعلية الأدوات اليمنية المحلية التي لم تكن سوى كروت شاحبة بلا تأثير، قدمت نفسها كـ«شرعية» فجعلها التحالف رافعته القانونية وأوكل إليها مهمة استهلاك الوقت وإشغال الرأي العام، ريثما تضع الحرب أوزارها وتأخذ المخططات مكانها على الواقع.
وبحساب المصالح، كشفت تقلبات الأحداث على مدى عقد ونيّف، كيف غابت مصالح أبناء الوطن في أرضهم؛ ولم يمتلك أولئك الأدوات سوى صلاحيات شكلية، ومُنع عنهم معرفة الخطوة التالية لعبث التحالف الممنهج بالوطن ومقدراته. وفي مقابل ضمانهم للعائدات «البنكنوتية» والمكاسب الشخصية، شلّ العجز حركتهم ولم يبذلوا أدنى جهدٍ لإنقاذ الفئات المسحوقة التي تطحنها رحى غياب الدولة.
في المقابل تصدرت مصالح محور السعودية وأمريكا. وكشفت الملفات المخفية عن حجم المطامع، ومستوى التنسيق بينهما لبسط السيطرة المطلقة على البلاد ولا ممثل للوطن، إذ أدركت السعودية وأمريكا أن صحوة أبناء اليمن ستنهي نفوذهما، ولن تُبقي لهما أي وجود في الجغرافية اليمنية. إنها مصالح تُدار وفق رؤى استراتيجية ممتدة، لا يغيب عنها رسم مستقبل الدولة والمنطقة بأسرها.
المعركة سعودية أمريكية بامتياز في مواجهة اليمن، وليس لمجلسٍ لم يعِ بعد أنه ما يزال محكوماً بعقليات التفتيت المناطقي تحت مسمى «الشرعية»، ويقسّم مهامه على قاعدة المحاصصة الضيقة أي دور.
يُعد اليمن حجر زاوية في مخطط الهيمنة على المنطقة والعبور منها نحو العالم؛ ووفق هذا المخطط الممنهج، يُراد لهذه الدولة ألا يكون لها أي وزن سياسي أو سيادي، بل إن تُدار كمستعمرة تخضع لسيطرة غير مباشرة من قوى خارجية، لا تمنح النخب المحلية سوى صلاحيات شكلية وهامشية لإدارة شؤون المواطنين.
منذ وقت مبكر، كشفت الدراسات عن الثروات الهائلة المدفونة في باطن هذه الأرض، وهي الثروات التي سال لها لعاب المستعمرين؛ فوُظفت الإمكانات لوضع المخططات وحبك المؤامرات لفرض ما يمكن تسميته بـ «الاحتلال الناعم». هذا النوع من الاستعمار يوهم الناس بالاستقلال والسيادة، بينما تتجلى حقيقته المريرة في حالة الجمود التي تسيطر على الواقع، والضبابية التي تلفّ المستقبل.
وبالتحرك اليمني بشعارات الحرية والسيادة والدفاع عن مظلومية المسلمين المضطهدين في فلسطين المحتلة وفي أي مكان ورفع راية المقدسات الإسلامية ورفض تدنيسها من قبل الصهاينة ومن والاهم. ولكل هذه الاعتبارات، ترجم الشعب اليمني مواقفه بالتحرك الميداني والعمليات العسكرية ضد قوى الطاغوت والاستكبار، رافضاً الخنوع والاستسلام لمعركة السعودية وأمريكا، وممتنعاً عن الانضمام إلى «مقاعد المتفرجين» أمام إبادة الشعب الفلسطيني في غزة، لينتفض في وجه التعامل الاستعلائي لقوى الاستكبار التي تستبيح الأمة ومقدراتها.
هذه النزعة وهذا التوجه العملي كشف لهذه القوى حجم الهوة التي باتت تفصلهم عن طموحاتهم وأطماعهم في هذه البلاد. الأمر الذي جعل من اتخاذ قرار العدوان تعبيراً واضحاً عن رفضهم المطلق لاستمرار هذه الصحوة، كما جاء توظيفهم الأقصى لكل الإمكانات والقدرات العسكرية بمثابة ترجمة حقيقية لكونها معركتهم المصيرية والأصيلة.
ووسط كل هذا، لا حضور لتلك القوى الوطنية التي باتت تشعر بحجم الخديعة. لكنها مضطرة لمسايرة هذا الواقع المرير بلا أفق سياسي ولا أمل في الخلاص، ولا أكثر من انتظار عاجز يرقب مواصلة آلة الهدم تنخر ما تبقى من جسد الدولة.
مع ذلك، فإن ما يراه الشعب اليمني الحر اليوم هو نجاح أكيد، وثابت، وراسخ في فرض المعادلة والتي معها لن يبقى الحال كما كان عليه لا على مستوى اليمن فحسب، بل وعلى مستوى المنطقة بأسرها. بعد أن تهاوت واحترقت واجهات القوى الاستكبارية التي كانت تقدم نفسها عالمياً ولعقود كفاعل حاسم، قادر على تغيير الواقع وصياغة الأحداث وفق مشيئتها، وفي أي وقت تريد.
*نقلا عن الثورة
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر