محمد علي اللوزي*
الرياض هي من أشعلت الحرب، وهي التي تتحمل مسؤولية استمرارها، وهي التي ستتحمل مسؤولية أي حريق جديد قد تشعله في المنطقة. هذه ليست قضية يمكن دفنها تحت ركام البيانات الدبلوماسية أو إخفاؤها خلف عبارات فضفاضة عن الأمن والاستقرار وتزييف الحقائق واستدعاء تحالفات فاشلة واستخدام كرت الأماكن المقدسة للعطف عليها والبحث عن سند يدعمها ويخرجها من محنة هزيمتها . وهنا يجب التذكير انه حين تختار دولة أن تدخل حربا على بلد جار، وتستمر في إدارة الصراع سنوات طويلة، ثم تفكر في إعادة التصعيد بعد ان عجزت عن تحقيق أهدافها، فإنها بحماقاتها لا تعود تملك حق تقديم نفسها باعتبارها ضحية للنتائج التي صنعتها سياستها بنفسها.
واليوم تقف الرياض أمام هذه الحقيقة التي طالما حاولت تأجيلها والفرار منها لتجد نفسها فيها.. اليمن لم يخضع، وصنعاء لم تسقط، والحرب لم تمنح السعودية النهاية التي ارادتها بسيناريو غبي ومؤامرة قبيحة. وكل ما تستطيع الرياض فعله الآن هو الاختيار بين الاعتراف بالواقع أو ارتكاب الخطأ نفسه مرة أخرى، ولكن في ظروف أكثر تعقيدا وكلفة وانهزام مدو وسقوط لا قيام بعده، فالعودة إلى التصعيد العسكري لن يكون نزهة سياسية ولا عملية محدودة يمكن التحكم بنتائجها كما تريد الرياض. لقد تغيرت طبيعة المواجهة، وتراكمت خبرات وقدرات عسكرية واستخباراتية لدى اليمن خلال سنوات العدوان بينما أصبحت المنطقة نفسها أكثر هشاشة وتداخلا. ومن ثم فإن أي مغامرة سعودية جديدة قد تفتح مسارا من التداعيات يتجاوز حدود اليمن، ويمتد إلى أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية والاقتصاد الإقليمي. والأخطر ان الرياض تعرف ذلك جيدا. فهي لا تدخل مواجهة مجهولة النتائج، بل تفكر في العودة إلى مسار جربته طويلا وكان وبالا عليها، واكتشفت خلاله ان التفوق العسكري والمالي لا يكفيان لفرض إرادة سياسية على اليمن. ولذلك فإن تكرار الحرب بعد كل هذه السنوات لن يكون مجرد سوء تقدير، بل سيكون إصرارا على تجاهل الدرس الذي فرضته الوقائع ونكبة تاريخية للرياض التي عبثا تحاول الخروج من تداعيات عدوانها. والسؤال الحاضر بقوة في هذا المشهد الأشد قتامة. ماذا تريد الرياض من اليمن بعد كل ما جرى؟ هل تريد إخضاعه؟ إنه الغباء يتكرر اذا كانت ما تزال تعتقد ان بمقدورها إعادة صياغة مستقبله وفق ارادتها. ولم تستوعب بعد ان اليمن ليس ساحة نفوذ سعودية، وان صنعاء ليست مدينة تنتظر قرارا من الرياض حتى تحدد موقفها.. ان المعضلة السعودية اليوم ليست في امتلاك القوة، وإنما في القدرة على استخدام القوة دون دفع المنطقة كلها إلى ثمن جديد. فالذي يبدأ التصعيد لا يستطيع ان يحدد وحده نهايته، ومن يفتح باب المواجهة لا يملك ضمانا بأن تبقى نتائجها محصورة في المكان الذي بدأت فيه ولا ان يسجل شيئا من النصر إن لم يقع في فاجعة سقوط الدولة السعودية البقرة التي سيجف ضرعها فتذبخ بلا رأفة أو شفقة. ولهذا فإن الرياض، اذا قررت الذهاب إلى مواجهة جديدة، عليها ان تتحمل مسؤوليتها السياسية كاملة عن تداعياتها. إذ لا يمكنها ان تشعل النار ثم تبحث عن طرف آخر تلقي عليه مسؤولية الحريق، ولا يمكنها ان توسع الصراع ثم تطالب الآخرين بإعادة الاستقرار إلى المنطقة والحفاظ عليها من شر الهزيمة بمبرر حماية مكة المكرمة. لقد أثبتت السنوات الماضية ان سياسة القوة لم تنتج للسعودية ما ارادته، وان اليمن لم يتحول إلى تابع، وان محاولة فرض الوصاية الخارجية لم تصنع استقرارا بل صنعت أوضاعاً متردية للرياض وخلقت مناخات فجائعية تعيشها وتلتحم بها وربما ترديها صرعى إن لم تحاذر في مغامراتها وطيشها وتعقل لتدرك إن ما كان بالأمس من قوة تبدد اليوم وصار وهما. لذلك فإن استمرار الرياض في الرهان على الحرب يعني عمليا انها لم تتعلم شيئا من تجربتها السابقة التي فقدت فيها مكانتها ونفوذها واحترامها الدولي. اما الطريق الآخر فهو أكثر وضوحا واختصارا لحفظ ماء وجهها وهو ان تعترف بأن زمن فرض الإرادة على اليمن قد انتهى، وان تتعامل مع اليمن باعتباره دولة ذات سيادة وشعبا يملك حق تقرير مستقبله، وان تتحول من منطق الاملاء والتدخل إلى منطق الحوار والاحترام المتبادل والإنصاف والسلام العادل واحترام الشروط التي قدمتها اليمن وتنفيذها فورا.
فاليمن ليس ملفا سعوديا داخليا، ولا ورقة في الحسابات الإقليمية للرياض. وكلما أصرت السعودية على التعامل معه باعتباره مجالا لنفوذها، زادت احتمالات الصدام. وكلما حاولت فرض رؤيتها بالقوة، دفعت المنطقة كلها نحو مزيد من التوتر.
إن السؤال الحقيقي الذي تواجهه الرياض اليوم ليس: هل تستطيع ان تبدأ حربا جديدة؟ بل: هل تستطيع أن تتحمل ما قد ينتج عن هذه الحرب؟ وهنا تكمن خطورة اللحظة. فالرياض قد تستطيع اتخاذ قرار التصعيد، لكنها لا تستطيع ان تضمن نتائجه. تستطيع فتح باب المواجهة، لكنها لا تستطيع ان تضمن متى وكيف يغلق. وتستطيع ان تراهن على القوة، لكنها لا تستطيع ان تضمن ان القوة ستنتج لها النتيجة السياسية التي فشلت في تحقيقها خلال سنوات طويلة. لقد آن الأوان لكي تدرك الرياض ان المنطقة ليست مختبرا لمغامراتها وصبيانية محمد بن سلمان، وان اليمن ليس بلدا يمكن إخضاعه بالضغط العسكري، وأن أي تصعيد جديد ستتحمل هي مسؤوليته أمام اليمن والمنطقة والتاريخ بما يترتب عليه من سقوط مذل ومخز للنظام. اما محاولة الهروب من هذه الحقيقة عبر تحميل الآخرين مسؤولية النتائج، فلن تغير شيئا من حقيقة ان القرار السعودي هو الذي سيحدد ما اذا كانت المنطقة ستدخل مرحلة جديدة من التصعيد، أم تبدأ أخيرا في الخروج من دائرة الحرب. أولى لها إذا أن تفطن إلى ما يجب عمله، الخروج من سبخ الجغرافيا اليمنية قبل أن تلطخ وجهها بوحل الهزيمة وتعجل بموتها المؤجل. اليمن اليوم (ماردا على صهوة التاريخ يقهر المحن) شاءت الرياض أم لم تشاء فإن عليها أن تتهجى جيدا المرحلة وتتخلص من وهم القوة إلى منطق ما فرضته صنعاء وجدير بقراءته قراءة واعية حتى لا تجد الرياض نفسها متخمة بالغباء المفرط وتصديق ثلة الحرس الهزيل من الكتبة المأجورين الذين لا يريدون للحرب أن تنطفئ ليستمر المدرار عليهم من المال الحرام. على ابن سلمان إذا أن يجفف ضروع البقرة الحلوب لقوى العمالة والارتهان قبل أن تجففها اليمن وتجعله طريدا شريدا (يبكي مثل النساء ملكا مضاعا لم يحافظ عليه مثل الرجال).
وهنا نود الإشارة إلى أن ابن سلمان اليوم يعيد إلى أذهاننا سيرة الملك الضليل (امرئ القيس) أضاع ملكه بطيشه، وركض خلف سراب التحالفات الخارجية ليثأر لوهمه، فما عاد إلا بـ حلة مسمومة أكلت جسده وتقرحت منها أطرافه. وكما انتهى الأول صريعا بالقروح في غربته، تقف الرياض اليوم على مسار النهاية ذاته.. ملك مضاع، ووعود زائفة، وسقوط محتوم فوق صخرة اليمن التي هي من سيكسر قرن الشيطان ويخلع عنه الرداء الابستيني القذر، مالم يتدارك محمد بن سلمان ما هو فيه ويعجل بالرضوخ للسلام.
*نقلا عن صحيفة الثورة
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر