الإثنين , أكتوبر 5 2026
الرئيسية / اراء / حروب “ترامب” المكررة والعبثية!

حروب “ترامب” المكررة والعبثية!

عبدالحليم قنديل*
أحيانا ، قد تكون “في الإعادة إفادة” كما يقولون ، ولكن ليس مع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ، الذى يعود ليعيد ذات اللغة ، التي سبقت وصاحبت سبعة أشهر مضت من حربه على إيران ، وعاد لتلخيصها ببساطة على طريقة “إما الإبادة أو الصفقة” على منصة الاجتماع السنوي الأخير رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة ، ولا تتساءل من فضلك عن ما يبدو منطقيا ، وهو كيف يمكن لرئيس دولة عظمى تهديد دولة أخرى بالإبادة الجماعية من فوق منبر دولي ؟، وكيف يعلن نيته في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ؟ ، وإلى غيرها من أسئلة مدفوعة بالنوايا الطيبة ، وبطبيعة منظمة الأمم المتحدة ذاتها ، وكونها منبراً مفترضاً لأحاديث عن القانون الدولي وقواعده الإنسانية ، ومع “ترامب” فلا معنى لحكايات القانون الدولي أو القانون الإنساني الدولي ، وجوابه قديم على هذه القصص ، فهو محكوم بقانونه الشخصي وبأخلاقه “الرفيعة” وحدها ، وهو طالب في نفس خطابه الأخير بما هو أفدح ، وطلب ـ بصيغة الأمر ـ من كل الدول المعنية الانسحاب فوراً من اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية ، وطالب قبلها “هولندا” بإغلاق مقر المحكمة التي تستضيفها على أراضيها ، وطرد كل قضاتها ومدعيها فوراً، وبعد أن راكم عقوبات أمريكية بلا نهاية ضد قضاة ومنتسبي محكمة الجنايات الدولية ، والسبب مفهوم، فهو لا يريد قضاء دولياً محايداً أو شبه محايد من أساسه ، ويريد منح حصانة كاملة لمجرمي الحروب بالذات ، وأولهم صديقه ومهبط وحيه ووسواسه الخناس “بنيامين نتنياهو” رئيس وزراء كيان الاحتلال “الإسرائيلي” (!) .

ما علينا ، المهم أن “ترامب” أعاد نفس تهديد الإبادة أو المحو لإيران وحضارتها ووجودها ، وهو يكرر ويعيد ذات الأسطوانات المشروخة عن البرنامج النووي الإيراني ، ويعد هذه المرة بقصف مدمر لموقع “جبل الفأس” الإيراني ، وهو “ترامب” نفسه الذى قال إنه محا البرنامج النووي الإيراني ومفاعلاته ، وأعلنها جازمة قبل أكثر من سنة ، أنه قضى على برنامج إيران النووي بعملية “مطرقة منتصف الليل” خلال حرب الاثني عشر يوما في يونيو 2025م، ثم عاد بعد خطابه الأخير في “الجمعية العامة” لتأكيد ذات المعنى ، وأعاد ما يسميه رأيه الشخصي ، وأنه قضى تماما على طموح إيران النووى ، بقصف مفاعل “فوردو” بالقاذفات النووية “بي ـ 2” وتدميره تماما بقنابل “جي ـ بي ـ يو 57” ، التي تزن الواحدة منها نحو 14 طنا ، لكنه يعود عن كلامه في ذات الجملة ، ويطالب إيران بالتخلي عن مشروعها النووي ، وإن كان ينقل المزاد هذه المرة من “فوردو” إلى “جبل الفأس” الموقع الأشد تحصينا ، ولو كان يستطيع لفعل من قبل ، لكنه “الهوس” الذى يأخذ منه عقله ويلاعب أحلامه المرضية وفقاعته الشخصية .

وليس مستبعدا بالطبع ، أن يشن “ترامب” ما يسميه ضربته الساحقة الماحقة ، سواء قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية أو بعدها ، مع ترجيحنا أن يؤجل ضربته إلى ما بعد الانتخابات النصفية ، وهو يذكر إيران بأنه ليس مرشحا في هذه الانتخابات ، وأنه مستمر في رئاسة البيت الأبيض لعامين مقبلين ، وهو ما تعرفه إيران ويعرفه غيرها بالبداهة ، لكن “ترامب” هنا يذكر نفسه أولا ، وبالطبع ، لا يحب أن يذكر نفسه بحقائق أخرى ، بينها أن شعبيته التي يفاخر بها ، هبطت في استطلاعات رأى أخيرة إلى 32 % ، وهى ذات النسبة من الرأي العام الأمريكي ، التي لا تزال تؤيد حربه الخاسرة على إيران ، وهو يريد أن يقنعهم بإعادة السنة أو بإعادة الحرب ، وعلى أمل أن يحقق في الإعادة نتائج أفضل ، وأن يرغم إيران على رفع الراية البيضاء والاستسلام التام ، وهو ما لن يحدث غالبا مهما فعل ، وحتى لو لجأ جنونا إلى ضرب إيران بقنابل نووية استراتيجية أو تكتيكية ، ويبدو أن “ترامب” يعرف غريزيا هذه النتيجة مسبقا ، وإن لجأ إلى مراوغة نفسه .

وبعد حديث زاعق عن إبادة إيران ، عاد لأحاديث التفاوض مع إيران ، وأعلن أن جولة تفاوض عقدت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ، شارك بها من جانب “ترامب” مبعوثاه المقاولان المفضلان “ستيف ويتكوف” و”جاريد كوشنير” ، فيما شارك من جانب إيران “عباس عراقجي” وزير خارجية طهران ، وقد استمرت جلسة التفاوض لثلاث ساعات ، وعقدت بحسب شروط طهران المعتادة ، وفى صورة مفاوضات غير مباشرة ، تنقل فيها الوسيط “القطري” بين الوفدين ، وفيما بدت الجهات الإيرانية متحفظة ، ولم تزد على قول أن “عراقجي” نقل للأمريكيين شروط إيران لفتح مضيق “هرمز” ، وهى الشروط التي أعلنها من قبل الجنرال “محسن رضائي” أمين مجلس الأمن القومي الإيراني ، وتضمنت كما هو معروف عناوين ثلاثة ، هي رفع الحصار البحري والاقتصادي الأمريكي عن إيران ، ووقف الحرب نهائيا على جميع الجبهات بما فيها لبنان واليمن ، وفك الحظر عن أموال إيران المجمدة البالغة نحو 120 مليار دولار ، وهى شروط واردة في مذكرة التفاهم الشهيرة ، التي انسحب منها “ترامب” بعد توقيعه عليها من قصر “فرساى” ، والتي عدت نصرا تفاوضيا لإيران ، وشكلت موقفا ثابتا لإيران ، حتى لو لجأت إلى تجزئتها هذه المرة ، بينما أعلن “ترامب” مرارا رفضه العودة إلى بنود المذكرة ، وتصميمه على فرض شروط أخرى تناسبه ، ورغم ذلك ، راح “ترامب” يمتدح ما جرى في جلسة التفاوض غير المباشر مع “عراقجي” ، ويصف ما جرى بأنه ممتاز ، أي أنه تراجع ولو مؤقتا عن حديث الإبادة ، ويريد أن يبيع وهم الصفقة للرأي العام الأمريكي الساخط عليه قبل انتخابات التجديد النصفي ، وفى وقت تزيد فيه أسعار البترول على نحو مطرد ، ويحتمل أن تصل إلى 130 دولار للبرميل بسبب الإغلاق الفعلي لمضيق “هرمز” ، وتتضاعف معه أسعار “البنزين” و”الديزل” في الأسواق الأمريكية ، وبما يهدد بتحقق توقعات انتقال الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ إلى “الحزب الديمقراطي” في انتخابات أوائل نوفمبر المقبل ، وهو ما يتخوف منه “ترامب” ويتأبط شروره ، وأهونها تحويله إلى “بطة عرجاء” في النصف الأخير من رئاسته الثانية .

ومن الوارد طبعا ، أن ينطوي ما يجرى على خديعة متكررة ، وأن يستخدم “ترامب” إيحاء الاتجاه إلى صفقة مع إيران لعبور وقت الانتخابات ، ثم يعود إلى اختيار الإبادة بعدها وتوجيه ضربته الموعودة ، وقد فعلها من قبل لثلاث مرات ، ولا بد أن الإيرانيين يدركون ذلك ، وربما يلجأون إلى تقطيع الوقت وإطالة أمد التفاوض ، وهم ـ أي الإيرانيون ـ أساتذة في فن التفاوض وتوزيع الأدوار ، وهو ما يفسر غضبا إعلاميا في الداخل الإيراني على جولة تفاوض “نيويورك” ، وتوجيه اللوم العنيف إلى “عباس عراقجي” شخصيا ، واتهامه بالتصرف من تلقاء ذاته ، فالاتجاه السائد في مؤسسات النظام الإيراني ، هو أن مناخ الحرب لا التعجل في التفاوض ، قد يكون أفيد لإيران ، التي أضافت مددا جديدا لوضعها القتالي يعزز صمودها المذهل ، وحصلت على تقنيات صاروخية جديدة من إنتاجها الذاتى ، أو من إمدادات صينية وروسية ، تترجم وتعكس رغبة التشكيلات المسلحة الإيرانية في الانتقال من حالة الردع الدفاعي إلى المعنى الهجومي ، ومطاردة البحرية الأمريكية بالقرب من شواطئ إيران ، أو حتى في قاعدة إمدادها البعيدة في “دييجوجارسيا” على مسافة آلاف الأميال ، وتقارير المخابرات الأمريكية نفسها تتحدث عن حصول إيران على تقنية “فرط صوتية” لصواريخها الجوالة “كروز” ، وتنفيذ تجارب بالنار الحية على قطع البحرية الأمريكية المحاصرة للموانئ الإيرانية .

والمحصلة بالجملة ، أن تهديد “ترامب” لإيران بضربة إبادة ، قد يرتد عليه سلبا ، فأجواء الحرب في ذاتها تزيد التهاب أسعار المحروقات بالداخل الأمريكي ، ووقتها لن تنفعه أكاذيب ساذجة من نوع ، أنه ساعد في ضمان عبور مليار برميل بترول من مضيق “هرمز” ، أو أن إيران ستخضع حتما بسبب قسوة خطة الخنق الاقتصادي ، ثم أن العودة لعمل عسكري جوى مهما كان عنيفا ، لن تحقق هدف القضاء على النظام الإيراني ، وقد عاد لترديده بعد كل ما جرى ، تماما كما كان يقوله في 28 فبراير 2026 أول ساعات الحرب الجارية ، ثم ابتلع لسانه بعد الفشل ، وادعى مرات أنه لا يريد إسقاط نظام “الجمهورية الإسلامية” ، وها هو يعيد ما كان أولا ، ويعيد اللعبة ذاتها ، أي التظاهر بالتفاوض مع التجهيز للحرب ، وعلى ظن أنه قد تكون في الإعادة إفادة ، بينما النتيجة مرئية مسبقا ، وأقرب إلى العين من طرف الإصبع ، وهى أن عودته لقصف شامل لن تحقق جديدا ، مالم يقرروا غزو إيران بريا ، وهو المستحيل تماما مع “ترامب” أو بغيره ، فهو الجحيم المستعجل للجنود الأمريكيين .
*كاتب مصري

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

صدى الساحل يشغل العالم!

وديع العبسي* تستمر وسائل الإعلام العالمية وحلقات النقاش الدولية في الحديث المكثف عن سيطرة القوات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *