الخميس , أكتوبر 8 2026
الرئيسية / اراء / أولى ثمرات اليمن..فانس يريد خفض التخصيب!

أولى ثمرات اليمن..فانس يريد خفض التخصيب!

ناصر قنديل*
لا تنتقل الدول من التطرّف إلى العقلانية في سياساتها بسبب صحوة أخلاقية، ولا تخفض سقف مطالبها لأن قادتها اكتشفوا فجأة فضائل الاعتدال. وراء الانتقال من سقف أعلى إلى سقف أدنى قراءة لموازين القوى وكلفة الخيارات. عندما تعتقد دولة أنها تستطيع فرض شروطها تتمسّك بها، وعندما يتعذّر إنتاج الميزان اللازم لتحقيقها تبدأ البحث عن تسوية. من هذه الزاوية يستحق كلام نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عن خفض تخصيب اليورانيوم الإيراني القراءة، في ضوء تعثّر الرهان على تغيير موازين القوى الإقليمية، وفي قلبه الرهان اليمني، ولا يبدو كلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أكثر من خط احتياط لاحتمال فشل التفاوض بالعودة الى الشروط الصفرية.

الموقف الأميركي السابق موثّق. ففي الرابع من أيار 2025، أعلن الرئيس دونالد ترامب أن المطلوب هو «التفكيك الكامل» للبرنامج النووي الإيراني، وأن هذا كل ما سوف يقبله. وفي الثاني من حزيران أعلن أن الاتفاق المحتمل لن يسمح بأي تخصيب لليورانيوم. ثم كرّر في الثامن من نيسان 2026، خلال الحرب الحالية، أنه لن يكون هناك تخصيب. المعنى واضح، لم تكن واشنطن تطلب خفض النسبة، بل إلغاء القدرة على التخصيب، وجعل التخلي عنها شرطاً للتسوية.

يأتي فانس اليوم يطالب بخفض ملموس في قدرة التخصيب، ويركّز اعتراضه على مستوى الستين في المئة، رابطاً الخطوة المطلوبة بإثبات الالتزام الإيراني بعدم بناء سلاح نووي. لا تكمن أهمية التصريح في تحديد نسبة بديلة، بل في انتقال التفاوض من المبدأ إلى النسبة. فعندما تريد واشنطن خفض التخصيب، يصبح بقاؤه ممكناً ضمن التسوية، ويصبح النقاش حول حدوده وضماناته. وهنا يلتقي كلام فانس مع تركيز ترامب على عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، ويمنح هذا التركيز معنى عملياً يتجاوز العبارة العامة.

السؤال السياسي هو: لماذا يظهر هذا الباب الآن؟ يمكن قراءة المرحلة التي أعقبت تعثّر مسار الانقلاب على مذكرة التفاهم مع إيران الذي عبّر عنه بعد أسبوع من توقيع المذكرة بيان المنامة، الذي جمع وزير الخارجية الأميركي بوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي، باعتبارها محاولة لإنتاج ميزان جديد قبل العودة إلى التفاوض. تقوم هذه القراءة على تكامل ثلاثة مسارات، حصار حزب الله عبر تفاهم إسرائيلي مع الحكومة اللبنانية، بدعم خليجي ورعاية أميركية؛ وتفعيل المعبر العُماني لتجاوز القرار الإيراني بإغلاق هرمز؛ والتحضير لتغيير حاسم في اليمن يطيح بأنصار الله. كانت حصيلة النجاح المفترضة إضعاف أوراق القوة التي تمنع فرض الشروط القصوى على إيران.

في هذه المنظومة كان اليمن بيضة القبان. فاسقاط أنصار الله، لو تحقق، كان سيبدّل المعادلة عند باب المندب، ويخفّف الضغط على السعودية، ويمنحها هامشاً أوسع للانخراط في المواجهة الإقليمية. ومع تجاوز أثر إغلاق هرمز وحصار حزب الله، تصبح إيران أمام مشهد مختلف، قدرة أقل على التأثير في الملاحة والطاقة، وحلفاء واقعون تحت ضغط متزايد. عندها كان يمكن لواشنطن أن تراهن على تحويل مطلب تفكيك البرنامج النووي من شعار مرتفع إلى شرط قابل للفرض.

ومن هنا أيضاً تستحق فرضية عدم انزعاج واشنطن من التقارب السعودي التركي الباكستاني النظر. ربما بدا هذا التقارب، في الحساب الأميركي، إطاراً يخدم الاستعداد للجولة المقبلة، بما يضيفه من ثقل سياسي وعسكري وغطاء إقليمي. هذه الفرضية تفتح تفسيراً لاحتمال قبول واشنطن بترتيبات إقليمية تمنح حلفاءها أدوات إضافية لتحقيق نتيجة تخدم مشروع الضغط على إيران.

مع تعثّر الحلقة اليمنية، فإن الخسارة السياسية تتجاوز جبهة واحدة. يكون الرهان على إنتاج ميزان إقليمي جديد قد فقد عنصره الحاسم، وتصبح مواصلة المطالبة بإلغاء التخصيب محكومة بالأدوات نفسها التي عجزت عن فرضه. هنا يظهر معنى خفض السقف، الاعتراف العملي بأن كلفة انتزاع الشروط القصوى أكبر مما تسمح به نتائج الجولة. ولذلك يمكن قراءة تصريح فانس باعتباره إحدى أولى الثمار السياسية لهذا التعثّر. طالما أن الجبهة التي كان يُراد استخدامها لتحسين شروط الضغط قد تعثّر الرهان عليها بما يؤدي إلى دفع تلك الشروط إلى التراجع. فالعقلانية هنا اسم سياسي لقراءة حدود القوة، والتسوية تبدأ عندما تعكس المطالب تلك الحدود.

يتزامن ذلك مع وقائع تقول إن رهان واشنطن على أن تراجع العملة الإيرانية سيُترجم ضغطاً معيشياً يضعف قدرة إيران على الاحتمال إصابة التعثر أيضا. لأن سعر العملة لا يختصر كلفة الحياة في إيران. فالمحروقات تدخل في النقل والإنتاج والتوزيع، وسعرها المحلي الرمزي يستطيع تخفيف انتقال تراجع العملة إلى جانب واسع من الأسعار. وهنا تصبح التجربة الأميركية مرآة كاشفة عكسيا، حيث قوة الدولار لم تمنع ارتفاع المحروقات من الضغط على المعيشة. لأن ما يهم الأسرة هو كلفة حاجاتها اليومية، لا المكانة الدولية للعملة التي تدفع بها.

قد تستبطن المراجعة الأميركية إدراكاً لهذه المفارقة، إيران تملك هامش احتمال أكبر مما توحي به أرقام الصرف، وأميركا تواجه كلفة اقتصادية وسياسية أكبر مما توحي به قوة الدولار. ومثل هذا الإدراك يغيّر حساب الزمن؛ فلا يعود استمرار الضغط ضماناً لاقتراب الحسم، ما دامت كلفته ترتد على الطرف الذي يفرضه. تبقى هذه قراءة تفسّر لماذا يمكن أن يصبح انتظار الانهيار الإيراني رهاناً أقل إقناعاً في الحساب الأميركي.

بالمقابل عسكرياً، تتوقف واقعية التهديد على القدرة على تحمّل الرد الإيراني، وليس فقط على امتلاك أدوات الهجوم. محدودية الدفاعات والمخزونات والتغطية تجعل توسيع الحرب قراراً مختلفاً عن التلويح بها. وإذا خُصص جزء من القدرة الدفاعية الأميركية لحرب السعودية على اليمن، فإن ذلك يزيد ضيق الهامش المتاح لمواجهة إيران. وفق هذا التقدير، احتاجت واشنطن إلى رهان يغيّر الميزان قبل التفاوض، بعدما ظهرت حدود الحسم الاقتصادي والعسكري فكان كلام فانس تعبيرا عن فتح المجال لمرحلة ما بعد اختبار الرهانات المتعثرة.

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

كُمِل الفليحي .. عاد المراحل طوال يا بو يمن !

احمد الشاوش* انتهى المخطط الدموي الاول بنجاح وانتهى المسلسل المرعب وحلقاته الاولى وبدأ السيناريو الثاني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *