الجمعة , أكتوبر 9 2026
الرئيسية / اراء / التعبئة الخاطئة ورهان الفتنة المقيتة!

التعبئة الخاطئة ورهان الفتنة المقيتة!

حسن حسين*
في كل صراع يخوضه الوطن، لا تكون الخسارة الأشد إيلاماً هي خسارة العتاد أو اتساع رقعة المواجهة، بل تلك الدماء الزكية التي تُساق إلى حتفها تحت تأثير التضليل والتعبئة الخاطئة. إن اللعب على وتر التفرقة المذهبية والنفخ في نار الشحن الطائفي ليس سوى سلاح عاجز يلجأ إليه أعداء الوطن لتمزيق النسيج الاجتماعي لليمنيين، وزرع الأحقاد بين أبناء البلد الواحد الذين تعايشوا عبر التاريخ—زيدية وشوافع—أخوةً متحابين يتجهون نحو قبلة واحدة ويجمعهم وطن واحد.

تجلت هذه الحقيقة المؤلمة جلياً يوم أمس في أطراف مديرية “ذباب”؛ فبعد انخفاض حدة التحليق الجوي المكثف لطيران التحالف—الذي اعترف ناطقهم الرسمي بمشاركة مئة طائرة حربية سعودية، ناهيك عن الطيران المسير والقصف الصاروخي والمدفعي المركز—تمكنت القوات المرابطة قبل آخر الضوء “قبل المغرب” من تطويق القوات المتوغلة وحصرها في دائرة ضيقة، حتى فرضت عليها المواجهة المتلاحمة، والتي انتهت بسقوط العشرات واستسلام من تبقى منهم.

واليوم، كان المشهد شاهداً على مأساة المغرر بهم؛ حيث باشرت طواقم الهلال الأحمر اليمني والصليب الأحمر جمع الأشلاء والجثامين، واستكمال الإجراءات الميدانية بنقلهم عبر العربات وتوثيقهم في الأكفان وسط استمرار عمليات البحث.

وهنا يتجلى المثل اليمني الأصيل بكل قسوته وحكمته: “لا تغزُ إلا بقومٍ قد غزت.. وإلا فخلي المغازي لأهلها”. إنها النتيجة الكارثية للتعبئة الماكرة التي تحركها دول العدوان، ليتفرج الأعداء على اليمني وهو يقتل أخاه اليمني في حربٍ وُظِّفت فيها الثارات والشعارات الطائفية المزيفة.

ولعل أكثر اللحظات إيلاماً وكشفاً للزيف، هي ذلك الموقف الذي شهدته ساحة الاستقبال أثناء التعامل مع الأسرى والجرحى. فحين جرى جمع الأسرى الذين توغلوا والتفاهم معهم بحكم معرفة سابقة ببعضهم ممن كانوا قبل عام 2013م تحت الإمرة والقيادة في الشعبةالدينية، تعرّف عليّ أحدهم—وهو الجندي “هيثم عبده صالح الصبيحي”—وسأل الحراسة: “هذا الفندم فلان؟”، فلما أكدوا له ذلك، طلب من الضابط المباشر إبلاغي برغبته في الحديث معي.

عندما صحتُ عليه: “هيثم عبده.. أهلاً” وتقدمتُ نحوه، انهمرت دموعه بغزارة. طمأنته وسألته عن معاملة الرفاق، فأكد أنها ممتازة جداً، مستدركاً بمرارة وسكينة: “يا فندم، أنا لا أبكي على مصيري، بل أبكي لأنهم دفعونا للقتال بذريعة أننا سنقاتل ‘مجوساً وإيرانيين وحزب الله’.. وعندما وصلنا لم أجد أمامي إلا إخواني اليمنيين وقادتي الذين أعرفهم! والله لقد غرروا بنا!”.

ولم تتوقف الحقيقة عند هذا الحد، بل طلب الاتصال بزميله في السرية الثانية (عبد العليم راجح الردفاني) ليبلغه بالواقع كما هو، فأعطيته جوالي للاتصال بزميله، ومن ضمن حديثه المباشر لزميله قال: “الفندم حسن الرصابي هنا عندي وقال لي تكلمه”، فتحدثتُ مع زميله ووضحتُ له الحقيقة وأقسمتُ له—وهو يعرفني لسنوات عديدة—أنه لا يوجد لدينا إيراني ولا من حزب الله، بل إخوانكم وأبناء وطنكم. علماً بأن الشخصين أعرفهما متدَيِّنَين ويؤديان الشعائر الدينية بالتزام خلال عملهما في شعبة التوجيه، والإرشاد الديني.

إن العصبية—سواء كانت مذهبية مقيتة أو جاهلية عمياء تقوم على التفاخر بالأحساب والأنساب—هي الداء الذي يفرق الجماعة المسلمة وينتهك حرمة الدم. إنها تقوم على الأنانية والفردية وتلغي الآخر، بينما أمرنا الله تعالى أن نكون صفاً واحداً مناهجه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أولئك الذين قال الله فيهم: {أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]. ونحن في أمس الحاجة في هذا الوقت الحالك إلى التضامن والتآلف، ونبذ الخلافات المذهبية والشخصية والحزبية، وأن نضع مصلحة الدين والوطن فوق كل شيء، ليكون شعارنا جميعاً:

أَبِي الإِسْلاَمُ لاَ أَبَ لِي سِوَاهُ … إِذَا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أَوْ تَمِيمِ
لقد نهى الإسلام عن الاستبداد بالرأي والتخبط الفكري بعيداً عن شرع الله. ولو عاد هؤلاء المتعصبون إلى المنهج الذي رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار عليه صحابته الكرام لنجوا من هذا العبث. قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [آل عمران: 103]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم).

إن ما شهدته أطراف “ذباب” وما نقلته عربات الهلال الأحمر والصليب الأحمر من جثامين وأشلاء، هو رسالة ناطقة لكل مغرر به بأن مصلحة اليمن فوق كل رهان خارجي، وأن دماء اليمنيين يجب أن تحقن، وأن الوعي هو السلاح الأول لإحباط مخططات التفتيت والفتنة التي ينتهجها العدوان.

*نائب رئيس لجنة توحيد الخطاب الديني في الجمهورية
توجيه المنطقة 2 والساحل الغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

جنوب يتحوّل من ضحية إلى خنجر!

سامي عطا* سؤال الهوية أم لعبة الجغرافيا ؟ في النقاش العام حول الجنوب اليمني، يبدو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *