د.علي أحمد الديلمي*
يقول تاريخ اليمن إن التفوق العسكري لا يكفي لفرض الإرادة على بلد تتداخل فيه وعورة الجغرافيا مع قوة الروابط المحلية وخبرة المقاتلين بأرضهم فالجبال والوديان والمسالك الضيقة تجعل تقدم الجيوش أصعب وإمدادها أكثر كلفة وتمنح المدافعين فرصا متكررة للاستنزاف وتوضح دراسة منشورة لدى جامعة أكسفورد كيف شكلت التضاريس اليمنية تحديا للجيش المصري وكيف استطاعت الهجمات المضادة تقويض مكاسبه ولهذا فإن الدرس التاريخي ليس استحالة تحقيق أي انتصار في اليمن بل صعوبة تحويل الانتصار العسكري إلى إخضاع شامل ومستقر.
وقبل التجربة المصرية بقرون واجه العثمانيون هذه الحقيقة حين بسطوا سلطتهم على أجزاء من اليمن خلال القرن السادس عشر لكن السيطرة ظلت موضع مقاومة وصراع وتذكر دراسة تاريخية منشورة لدى أكسفورد أن الحكم العثماني كان هشا ومتنازعا عليه وأن الثورات التي تجددت منذ عام ألف وخمسمئة وسبعة وتسعين انتهت بخروجهم في ثلاثينيات القرن السابع عشر كما يشير تاريخ كامبريدج للإسلام إلى تخليهم عن وجودهم المضطرب في اليمن عام ألف وستمئة وخمسة وثلاثين وهكذا عجزت قوة إمبراطورية واسعة عن تثبيت سيطرتها رغم استمرار وجودها عقودا طويلة.
وعندما عاد العثمانيون إلى صنعاء عام ألف وثمانمئة واثنين وسبعين لم تكن عودتهم نهاية للمقاومة فقد تجدد الصراع مع الأئمة وحلفائهم القبليين وصولا إلى اتفاق دعان عام ألف وتسعمئة وأحد عشر الذي أقر للإمام يحيى بسلطة محلية واسعة في المناطق الزيدية مع استمرار السيادة العثمانية ويبين ذلك أن الإمبراطورية انتقلت من محاولة فرض الإدارة المباشرة إلى التفاوض وتقاسم السلطة ثم انتهى وجودها مع انهيارها عقب الحرب العالمية الأولى ولذلك يجب التمييز بين ما فرضته المقاومة اليمنية من تنازلات وما أحدثته هزيمة الدولة العثمانية العامة من إنهاء لحكمها.
وفي القرن العشرين تكرر مأزق الاستنزاف مع تدخل جمال عبد الناصر دعما للجمهورية اليمنية ويذكر الباحث بروس ريدل في مؤسسة بروكينغز أن عدد الجنود المصريين في اليمن بلغ نحو سبعين ألفا بحلول عام ألف وتسعمئة وستة وستين وأن الحرب استنزفت موارد القاهرة وشغلت قوات ومعدات عند اندلاع حرب يونيو في العام التالي ومن هنا كانت ورطة اليمن عاملا أسهم في إضعاف الاستعداد المصري دون أن تكون التفسير الوحيد لهزيمة سبعة وستين كما أن بقاء الجمهورية بعد انسحاب القوات المصرية يوضح أن تعثر التدخل العسكري لا يعني بالضرورة سقوط المشروع السياسي الذي دعمه.
والعاقل من اتعظ بالتاريخ القريب والبعيد وفهم أن اليمن لا يحكم بمجرد امتلاك الطائرات والمدافع وأن خبرة أبنائه بأرضهم وقدرتهم على التكيف مع الظروف القاسية تزيد صعوبة إخضاعهم لكنها لا تحمي المدنيين من الجوع والخراب وقد خلصت دراسة لمعهد تشاتام هاوس إلى أن الحسم العسكري الكامل في الصراع اليمني كان شديد الاستبعاد وأن السلام المستدام يتطلب وساطة سياسية ومن مجموع هذه التجارب يمكن استخلاص أن احترام إرادة اليمنيين وبناء تسوية تشمل قواهم المختلفة أكثر جدوى من تكرار الرهان على حرب سريعة تتحول إلى استنزاف طويل فلا ينبغي أن يصبح صمود اليمن ذريعة لإدامة مأساته بل حافزا لإنهائها.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر