محمد عبدالله الخربي*
اليوم عبر مقترحات «هدنة الأيام الخمسة» أو «أسبوع التهدئة الدبلوماسية» في مسقط، تريد الرياض من صنعاء أن تضع نظارة الدبلوماسية الوردية، وتصبر على قطع الرواتب، وتنام تحت حصار الموانئ والمطارات، بانتظار «ربيع الوعود» السعودية التي لا تأتي أبداً. لكن السخرية القاتلة التي لم يستوعبها مطبخ القرار في الرياض بعد، هي أن اليمن ليس عنزة جحا؛ فالشعب الذي صقلته نيران المواجهة طوال سنوات الصبر الاستراتيجي، امتلك اليوم مخالب وأجنحة ذكية قادرة على قضم أصابع اليد التي تحاول ابتزازه.
كواليس الـ 21 يوماً – ذعر الرد المزلزل خلف قناع «الأسبوع الدبلوماسي»
السبق الذي يجب أن يقرأه الداخل السعودي قبل الخارج، هو كواليس مهزلة التفاوض الأخيرة عبر الوساطة العُمانية. حين تقدمت الرياض بطلب «هدنة مؤقتة لمدة أسبوع» تحت لافتة «خفض التصعيد وبحث الملف الإنساني»، جاء رد صنعاء حاسماً ومباغتاً في 72 ساعة: «موافقون، شريطة إعلان التزام صريح وموثق بتنفيذ الملف الإنساني ودفع المرتبات فوراً».
هنا أُصيب صانع القرار السعودي بـ «الخرس الدبلوماسي» واستغرق 21 يوماً كاملة من الصمت والتحشيد العسكري الخفي خلف الكواليس ليعود برفض الشروط! هذا الفارق الزمني الشاسع (3 أيام مقابل 3 أسابيع من التخبط) يفضح العقدة النفسية للنظام؛ فهو لا يريد سلاماً، بل يريد «شراء الوقت» وامتصاص صدمة الرد اليمني الوشيك بعد الحماقة السعودية الكبرى المتمثلة في قصف مطار صنعاء الدولي في يوليو الماضي.
سيكولوجية المماطلة الملكية – إدمان الابتزاز وعقلية «الكفيل»
نفسياً، يعيش نظام آل سعود في حالة انفصام سياسي حاد؛ فهو يقصف المطارات ويهدد بقطع ما تبقى من شريان الحياة، ثم يرفع سماعة الهاتف مستجدياً «أسبوعاً من الهدوء» لحماية أجوائه. هذه العقلية تعتقد أن تجويع، وأن صنعاء التي صمدت في أحلك الظروف استطاعت قلب الطاولة، ولم تعد تقبل بنصف حل أو نصف كرامة. الحصار لم يعد قدراً يمنياً، بل أصبح فاتورة اقتصادية وأمنية ستدفعها المدن الزجاجية السعودية بالكامل.
الرعب بالأرقام – اقتصاد المملكة في المقصلة
ليسمع المواطن في الرياض وجدة والدمام الحقيقة العارية التي تخفيها قنواتهم الرسمية: تشير التقارير الاقتصادية الدولية المحدثة لعام 2026م إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسعودية سجل انكماشاً مخيفاً بنسبة 3.6%. وهذا التراجع الاقتصادي الحاد ليس مجرد أرقام على ورق، بل هو الكلفة المباشرة لتأثير ضربات الردع اليمنية، وهروب الرساميل، والإنفاق الملياري العبثي على منظومات الدفاع الجوي التي باتت عاجزة أمام طائرات صنعاء المسيرة ذات الكلفة الزهيدة. المملكة التي كانت تعد شعبها بالرفاه المطلق، باتت تفرض الضرائب وتكافح لمنع انهيار تصنيفها الائتماني نتيجة إصرارها على استمرار العدوان والحصار.
خط «شرق – غرب» ونظريات الردع الشامل – الأنابيب تحت المجهر
السبق التحليلي والعسكري هنا يضرب العصب الحساس لأمن الطاقة السعودي؛ فالرياض التي حاولت طويلاً الالتفاف على جغرافية اليمن عبر خط أنابيب النفط «شرق – غرب» (الممتد من حقل بقيق بالمنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر) لتصدير نفطها بعيداً عن أزمات البحر الأحمر، تدرك اليوم أن هذا الخط بات يقع بالكامل في المرمى المباشر والدقيق للقوة الصاروخية وسلاح الجو المسير لجمهورية صنعاء. وانهيار الهدنة غير الرسمية يعني ببساطة أن أي تصعيد سعودي سيقابله شلل تام لهذا الشريان النفطي الوحيد. هذا هو الرعب الحقيقي الذي دفع اللجنة الأمنية في الرياض لاستجداء «هدنة الأسبوع» لحماية ما تبقى من تدفقات الذهب الأسود.
تهاوي «رؤية 2030» – كيف تحول الاستثمار إلى مغامرة مرعبة؟
كيف يمكن لـ «نيوم» أو مشاريع الترفيه والسياحة في الرياض أن تقنع مستثمراً أجنبياً واحداً بالبقاء، بينما طائرات المسح والردع اليمنية تثبت كل يوم أن الأجواء السعودية مستباحة عسكرياً؟ لقد حذر صندوق النقد الدولي بوضوح من أن استمرار التصعيد الأمني يهدد بتقويض الثقة الاستثمارية في الخليج ككل. آل سعود يريدون الهدنة بأي ثمن ليبيعوا «الاستقرار الوهمي» في المؤتمرات الدولية القادمة بالرياض، لكن صنعاء قررت أنه لا استقرار في المنطقة ما لم يستقر اليمن إنسانياً واقتصادياً أولاً.
تعرية التاريخ الملطخ – من دماء شهداء سبتمبر إلى خيانة «كومبارس الفنادق»
إن العداء السعودي لليمن ليس وليد اليوم، بل هو حقد تاريخي متأصل. يتذكر الشعب اليمني جيداً كيف تآمر آل سعود تاريخياً على رجالات اليمن وشهداء ثورة سبتمبر قديماً وحديثاً، وكيف عملوا على تصفية كل مشروع استقلالي يمني يسعى للخروج من عباءة «اللجنة الخاصة». واليوم، يتكرر المشهد المقزز عبر أدواتهم ومرتزقتهم مما يسمى «مجلس القيادة الرئاسي في عدن»؛ هؤلاء الذين تحولوا إلى مجرد «كومبارس فنادق» وموظفي خدمات يوقعون على صكوك حصار شعبهم مقابل فتات الأموال السعودية. الغريب والساخر في آن واحد، هو أن الرياض عندما تضيق بها السبل وتخشى المسيرات، تتجاوز هؤلاء المرتزقة تماماً وتبحث عن قنوات مباشرة مع صنعاء عبر مسقط، مما يعري خيانتهم ويثبت أنهم مجرد دمى لا قيمة لها في معادلات القوة الحقيقية.
الصبر الاستراتيجي اليمني ومشروعية الرد بالمثل
لقد مارست صنعاء طوال الأشهر الماضية ما يمكن تسميته بـ «الصبر الاستراتيجي» الأعلى؛ ليس ضعفاً ولا قلة حيلة، بل لإقامة الحجة الكاملة أمام المجتمع الدولي والشعوب الشقيقة، ومنح الدبلوماسية العُمانية كل الفرص الممكنة لإنجاح «خارطة الطريق». ولكن حين يقابل هذا الصبر بقصف المطار، والمماطلة في دفع مرتبات الموظفين التي بلغت خسائر قطعها وحصارها الاقتصادي المباشر أكثر من 10 تريليونات ريال يمني (ما يعادل 18.7 مليار دولار)، فإن هذا الصبر يتحول شرعاً وقانوناً وعسكرياً إلى «مشروعية الرد بالمثل». الرد القادم لن يكون مجرد دفاع عن النفس، بل هو قصاص عادل للشعب اليمني بأكمله.
الخاتمة: نهاية زمن الإملاءات
انتهى زمن اللعب بالوقت؛ ورفض صنعاء لمهلة الأسبوع هو الرسالة الأخيرة قبل العاصفة. على النظام السعودي أن يدرك أن بنك الأهداف اليمني المحدث لم يعد يقتصر على مصافي النفط التقليدية، بل يمتلك إحداثيات دقيقة لعصب المشاريع الاقتصادية والسيادية التي تشكل واجهة النظام الحالية.
*نقلا عن الثورة
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر