السبت , نوفمبر 7 2026
الرئيسية / اراء / النظام السعودي يلجأ الى تحريف تاريخ الحرب!

النظام السعودي يلجأ الى تحريف تاريخ الحرب!

أنس القاضي
يجتزئ الخطاب السعودي تاريخ الحرب ويحرّفه، ويعيد سرد الحكاية وترتيب وقائعها بما يخفي طبيعة التدخل السعودي ونتائجه، ويظهر هذا المنحى في رواية السفير محمد آل جابر لحرب دخلت عامها الثاني عشر، إذ تبدو اليمن في سرده وكأنها كانت تعيش وضعاً طبيعياً، ثم قرر أنصار الله فجأة إدخالها في صراع يخدم أجندة خارجية، في تلميح إلى إيران، وبهذا الاجتزاء يُراد محو سنوات التدخل العسكري والقصف والحصار، وتقديم الرد اليمني الراهن باعتباره بداية الحرب وسبب استمرارها، فتتحول النتائج إلى أسباب، وتختفي القرارات السعودية التي أسهمت في إنتاجها.

وتبقى تلك القرارات والتصريحات والخطابات وقائع عشناها جميعاً، ووُثّقت صوتاً وصورة وخبراً، فقد كانت المملكة، مستندة إلى تفوقها العسكري واتساع تحالفها، تتبنى القصف والحصار بصلف بلغ حد الوقاحة، وأعلن تحالفها مدينة صعدة هدفاً عسكرياً، وهدّد متحدثه بدخول صنعاء، بما يكشف طبيعة الرهان الذي حكم التدخل منذ مراحله الأولى، ومحاولة فرض النتائج السياسية بالقوة العسكرية، وهو ما تحاول المملكة اليوم التنصل منه حين باتت اليمن قادرة على الرد والتأثير!

دخل اليمن منذ عام ٢٠١١ في أزمة انتقال سياسي وصراعات على السلطة وشروط بناء الدولة، وظلت التسوية التوافقية موضوعاً للتفاوض بين القوى اليمنية برعاية أممية، رغم تعثرها وتفاقم الصراعات الداخلية، ثم قادت السعودية تدخلها العسكري في مارس ٢٠١٥م، وراهنت على القوة لإخضاع القرار اليمني وإعادته إلى دائرة نفوذها، فنقلت الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع، وأسهم تدخلها في تقويض فرص التسوية وتوسيع الحرب وتعميق آثارها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.

تبين الإحصائيات الرسمية حجم الكلفة اليمنية التي يُسقطها هذا الخطاب، إذ تجاوز عدد الغارات الجوية خلال أحد عشر عاماً ٢٧٤ ألف غارة، وبلغت حصيلة الضحايا المدنيين أكثر من ٦٠ ألف شهيد وجريح، وتعكس هذه الأرقام الخسائر الناجمة عن الاستهداف المباشر الذي نفذته السعودية وتحالفها، دون احتساب ضحايا المعارك المحلية المرتبطة بالعدوان وأضرارها، بما يوضح حجم المسؤولية المباشرة عن إزهاق الأرواح وتدمير مقومات الحياة.

وامتد الاستهداف إلى البنية التحتية والخدمات ومصادر الإنتاج، وتشمل حصيلة الدمار، وفق الإحصائيات الرسمية، ٦٧٦ مرفقاً صحياً، و٢٩٠٠ منشأة تعليمية، و١٢٬٤١٩ منشأة مائية، و٨ آلاف طريق وجسر، و٥٦٠١ شبكة ومحطة كهرباء، و٢٢٠٠ موقع ومنشأة اتصالات، إلى جانب ١٤ ميناءً بحرياً و٩ مطارات، ونحو ١٥ ألف منشأة غذائية و١٩٬٤٠٠ منشأة زراعية وحيوانية، وتستمر آثار هذا التدمير مع تعطل الخدمات وفقدان مصادر الدخل وارتفاع كلفة العلاج والتعليم والنقل والغذاء، فتتراكم الخسائر حتى بعد توقف القصف على المنشآت المستهدفة.

وتتحمل الرياض مسؤولية قرار تدخلها ووسائل تنفيذه والنتائج المترتبة على أفعالها، وتظل هذه المسؤولية قائمة مهما تبدلت التحالفات والظروف الإقليمية لاحقاً، وتشمل مسؤولية الدولة جبر الأضرار الناجمة عن الانتهاكات المنسوبة إليها وتعويض المتضررين، إلى جانب المسؤولية الجنائية الفردية لمن تثبت مسؤوليتهم عن جرائم الحرب، وتضع هذه التبعات قضايا المساءلة وإعادة الإعمار والتعويض ضمن أساس التسوية، بوصفها حقوقاً لليمنيين والتزامات على المسؤولين عن إحداث الضرر.

وحين أصبحت اليمن أكثر قدرة على الرد وفرض كلفة على السعودية، أخذت الرياض تعيد صياغة الحكاية حول الصراعات الإقليمية والأجندات الخارجية، فتضع صنعاء في موقع الطرف الذي فجّر المواجهة خدمة لقوة إقليمية، وتمنح نفسها موقع الحريص على مصالح اليمنيين، بعدما خاضت حرباً عدوانية مدمرة، ويتيح استحضار السياق الإقليمي الراهن اختزال الدوافع اليمنية في التبعية للخارج والارتباط بمحور المقاومة، وإزاحة قضايا السيادة والتدخل والحصار من تفسير المواجهة.

وتكشف العودة إلى تسلسل الوقائع تهافت إسقاط ظروف اليوم على قرار الحرب عام ٢٠١٥م، فقد كان مضيق هرمز مفتوحاً للملاحة، وكانت العلاقات الدبلوماسية السعودية الإيرانية قائمة، والمفاوضات النووية بين إيران والقوى الدولية جارية، ثم أُبرم الاتفاق النووي في ١٤ يوليو ٢٠١٥م، بعد بدء التدخل السعودي بأشهر، ويؤكد هذا التسلسل أن قرار الحرب سبق التحولات الإقليمية الراهنة التي يجري توظيفها لتفسيره وتبريره، وتزداد دلالة هذا التحريف حين يصدر عن شخصيات دبلوماسية تعرف التاريخ وتسلسل أحداثه، وتملك موقعاً رسمياً يحمّلها مسؤولية ما تقدمه من روايات.

وتؤدي هذه الرواية وظيفة سياسية تتصل بتحديد المسؤوليات وشروط التسوية، إذ تنقل النقاش من قرار التدخل السعودي ونتائجه إلى دوافع الرد اليمني وتحالفات صنعاء، وتبدأ حساب كلفة الحرب من لحظة وصولها إلى المنشآت والمصالح السعودية، فيما تُسقط الكلفة التي تحملها اليمنيون طوال السنوات السابقة للعدوان السعودي!

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

خياراتنا بين ذئب وثعلب!

زيد شحاته* إنشغلت وسائل الإعلام العربية، وجزء كبير من الجمهور ” المثقف” والمهتم بالسياسة كثيرا، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *