وجيدة حافي*
بعدما تنفس اللبنانيون الصُعداء وتخلصوا من حرب أهلية رافقتهم لزمن طويل تكبدوا من خلالها خسائر بشرية وتنموية كبيرة، هاهي طُبولها تُدق من جديد لأسباب وأُخرى، فتفجير مرفأ لُبنان كان القشة التي قصمت ظهر البعير وأخلطت الحسابات كُلها وتسبب الحادث في مأساة إنسانية وإقتصادية زادت الطين بلة، فالصراعات الطائفية في هذا البلد الجميل فسحت المجال للعُقوبات الإقتصادية وتدهور مُستوى معيشة الفرد اللبناني الذي بدأ يُفكر بالهجرة من بلده الأُم لبُلدان أُخرى لحياة أفضل وأحسن، كما كانت فُرصة لا تُعوض للغرب للتدخل في شُؤون اللبنانيين وفرض الأوامر عليهم بإسم المُساعدات ونشر الأمن والديمُقراطية وغيرها من الشعارات الرنانة التي عودنا عليها الآخر في تعامله معنا كدُول عربية، وأول المستفيدين من هذه المشاكل هي فرنسا التي تُدخل أنفها في كل شيء، فهي لم تكتفي بإفريقيا بل تُريد بسط نُفوذها في الشرق الأوسط ووضع قدم لها هناك كي لا تكون خارج الحسابات الروسية ،التركية الأمريكية والاماراتية المصرية ، فماكرون لعبها جيدا وهو يُحاول لعب كل أوراقه لكسب أصوات جديدة والفوز بعهدة أُخرى من خلال مُساعدات فرنسية للبنان وفي نفس الوقت إستفادته من مشاريع ضخمة لإعادة بناء المرفأ والذي سيعود بالإيجاب على الشركات الفرنسية ويُحسن إقتصاد فرنسا المُنهار والمُتعب، ففرنسا وتُركيا رغم مُحاولات التهدئة والتقارب إلا أن الصراع بينهما الآن قائم على البحر الأيض المُتوسط وثرواته، فطمع ماكرون جعله يحلم بالسيطرة مُجددا على لُبنان وذلك عن طريق التحالف مع دُول أُخرى تخدم مصالحها وأهدافها وفي نفس الوقت تُضعف الدور التركي فيها،
أما السياسة الأمريكية إتجاه هذا البلد فهي لم ولن تتغير كثيرا، فلُبنان بُقعة جُغرافية ينتمي إليها حزب الله العدو اللذود لإسرائيل، والكل يعرف أن كل رؤساء أمريكا تعهدوا بالدفاع وصون إسرائيل من أي خطر يُهددها ، بالإضافة إلى هذا فعلاقة الإيرانيين بحزب الله وطيدة، وهذا ما يُقلق الحليفتين أمريكا وإسرائيل التي تعمل جاهدة على التخلص من إيران ومنعها من إمتلاك أسلحة نووية، وذلك بدفع شريكتها أمريكا للضغط على كل الأطراف التي يُمكن أن تُساعد في تطويل عُمر الأزمة وخلط الأوراق، كالسُعودية التي إتخذت موقفا غريبا من لبنان بسبب تصريحات وزير الإعلام اللبناني “جورج قرادحي” الذي أعط الحق للحوثيين في الدفاع عن أنفسهم ضد إعتداءات السعودية والإمارات وهاهي الدُول الخليجية الأن تضغط على لُبنان بالمُطالبة بإستقالة “جورج قرادحي” والحُكومة، وهذا ما إعتبرته جهات تدخل سافر في قضايا لُبنان الداخلية وإنتهاك لحُرمتها، فالمُخول الوحيد في دفع الحُكومة للإستقالة هو الشعب والرئيس الذي إختارها، ضف الى ذلك فالقرادحي لما قال هذا الكلام كان خارج الحُكومة، يعني رأيه شخصي بحت، ويُمثله لوحده، ولا يعكس موقف الحُكُومة اللبنانية، فهو إعلامي كبير ومعروف، ولأن الحلقة بُثت بعد توليه المنصب حدث ما حدث، أما ما يحدث في اليمن من قتل وتشريد للشعب فالكل يتحمل مسؤوليته، بدء من أعداء الخارج الذين نجحوا ب نشر فتنة الطائفية بين اليمنيين، ودفع الجيران للتدخل في الشؤون الداخلية لليمن بإسم مُحاربة الإرهاب ونشر السلم والقضاء على كل من يتسبب في أمنهم الداخلي ويُهدد مصالحهم والمقصود هنا إيران، ونتيجة كل هذا هو هذه الأزمات والتهديدات بين الدول العربية، والخاسر الكبير هو لُبنان المُحطم من كل النواحي، فإطالة عُمر الأزمة لن يضر أحد سوى اللبنانيون، لذا فالحل الوحيد هو التصالح بينهم وتغليب مصلحة البلد قبل كل شيء، والتفكير الجدي في إنعاش الإقتصاد بمُفاوضات جدية مع صندوق النقد الدولي، هذه المُؤسسة الدُولية التي ظاهريا مُهمتها الحفاظ على الإستقرار النقدي ومساعدة الدول بقروض ميسرة وذلك بشروط مُجحفة وقاسية، ولأن لُبنان ليس أمامها خيار آخر سوى الذهاب إلى هذه المُؤسسة، فالدعم المالي من الإتحاد الأُورُوبي لا يمكن الإعتماد عليه، فالكورونا وإرتفاع أسعار النفط والغاز، ستُجبر دول أُوروبا على التراجع وعدم الوفاء بوعودها ، لأن الأوروبيون فقدوا تلك الرفاهية والعيش الكريم الذي كان في الماضي، لذا لا يتوانون في سُؤال حكوماتهم عن سبب المُساعدات ، عربيا لا أظن أن الإخوة العرب قادرون على تقديم المُساعدة للُبنان وهذا لسببين:
1 ـ ضُعف إقتصادهم وعجزهم المالي، فتقريبا كل الحُكام العرب يجدون صُعوبة في تحقيق الإكتفاء الذاتي لشعبهم دون اللجوء لصندوق النقد، وهؤلاء الذين فشلوا فهم عبيد هذه المُؤسسة ويخضعون لشروطها السامة. وهم غير مستعدين في الدخول في حروب هم بغنى عنها
2 ـ العديد من العواصم الأُوروبية تتعرض لضُغُوطات أمريكية للتطبيع مع إسرائيل، والتطبيع يعني موافقتها في كل سياستها والمشي ورائها وإعتبار أعدائها أعدائهم.
فكفانا هدرا للوقت ومُناقشة مواضيع لن تخدم لُبنان، فاللبنانيون شعبا وحُكومة يجب عليهم التفكير خارج الصُندوق ،يجب عليهم أن ينبذوا الخلافات ويضعوها جانبا، ويستثمرون مواردهم وثرواتهم بشكل فعال، فالأزمة الحقيقية لهذا البلد هي سياسية زادتها حدة الإقتصادية، فلا أمريكا ولا فرنسا ولا أي أحد يستطيع إنهائها مادام البيت الداخلي مُتشقق وقابل للإنهيار في أي لحظة، فهذه الدُول تقتل القتيل وتمشي في جنازته، بمعنى تتسبب في المشاكل وتبعث بالمساعدات، أما عن موقف السُعودية فيبقى غريبا نوعا ما، وهل أصبحت السُعودية تُمارس رقابة فكرية وتُريد كم الأفواه من خلال إقالة كل ما لا يتفق معها؟ فالمفروض كدُول عربية مُساعدة بعضنا البعض لا المشي وراء أهواء الآخرين بحُجج واهية، وعلى هذا فالسُعودية لن تنظر في لبنان وتُحسن علاقتها بها ما دام حزب الله موجود، فحزب الله قوة ضاربة في لُبنان، والتخلي عنه وشطبه من القائمة لن يكون بالأمر السهل وسيُؤدي الى ما لا يُحمد عُقباه داخليا وخارجيا، لذا كفانا تدخلا في شُؤون الغير ولتهتم كل دولة بمُحيطها ورُقعتها الجُغرافية، فاليمن لليمنيين ومصر للمصريين، ولن يكون السُعودي أو الإماراتي أكثر حُبا وخوفا على مصر أو اليمن من ابن البلد، فقضية القاضي والقرادحي والقيل والقال الذي دار حولهما لم يكن إلا مُقدمة للضغط أكثر على لُبنان لضمه لقائمة الدُول المطبعة مع إسرائيل.
وفي الأخير نتمنى أن تتحسن الأُمور وتعود المياه لمجاريها، والعلاقات التجارية والإقتصادية تبقى قائمة بين البُلدان العربية، ففي عهد ترامب وصلت الأزمة مع الصين إلى ذروتها وفي تفس الوقت المُبادلات التجارية بينهما إزدهرت وتطورت، فالإزدهار والتطور يُحتم علينا عدم الإنتباه لصغائر الأُمور ووضع اليد في اليد للتخلص من التبعية الغربية، فيا ليت هذا الموقف الخليجي كان في مواقف عربية خادمة للقضية العربية كالقضية الفلسطينية، والأزمة السُودانية وغيرها من القضايا، يا ليت كان هذا الموقف لما هاجمت أمريكا ترامب السُعودية، فالحل ليس يا سادتي في إستقالة شخص أو تغيير حُكُومة، أو حتى التضييق الإقتصادي، الحل موجود والحُكام العرب يعرفونه جيدا ، متى يُطبقونه، هذا ما لا نعرفه ونُريد معرفته والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
*كاتبة جزائرية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر