الأربعاء , مارس 25 2026
الرئيسية / اراء / هرمز: هل تكون آخر معارك أمريكا؟

هرمز: هل تكون آخر معارك أمريكا؟

العميد محمد الحسيني*
لا تُقرأ تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المرتبطة بـ مضيق هرمز بوصفها مجرد تصعيد تكتيكي، بل كإشارة إلى وصول الصراع إلى مفترق استراتيجي جديد، حيث تتقاطع المعادلات العسكرية مع حساسيات الاقتصاد العالمي. فقد تحوّل المضيق من مجرد ممر لنقل الطاقة إلى أداة ضغط مركزية، قادرة على إعادة تشكيل توازنات القوة الإقليمية والدولية، ويصبح اختبارًا مباشرًا لقدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها في بيئة معقدة ومتعددة الأبعاد.
يُفهم التهديد الأمريكي لإيران كخطوة لإعادة فرض السيطرة على مسار المواجهة، بعد أن نجحت طهران في تحويل الصراع إلى أداة اختناق عالمية. إلا أن هذا التحول يضع جميع الأطراف أمام معضلة دقيقة: كل خطوة تصعيدية لا تزيد من فرص الحسم، بل قد تفتح أبوابًا لانزلاق غير متوقع، في سياق تتشابك فيه المصالح الاقتصادية والجيوسياسية مع القدرة العسكرية على الأرض.

في حال قررت إيران إغلاق المضيق بالكامل، فإن هذا القرار لا يُقرأ كخطوة عسكرية تقليدية، بل كتهديد لإحداث صدمة عالمية. تعطيل نحو خُمس إمدادات الطاقة سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد، خصوصًا في الاقتصادات الصناعية الكبرى في آسيا، ويحوّل المضيق إلى أداة إكراه استراتيجية ذات أثر اقتصادي عالمي، بحيث تتجاوز عواقبه حدود الأطراف المباشرة للصراع.
على الصعيد العملياتي، فإن أي إغلاق كامل يضع الولايات المتحدة أمام مواجهة بحرية غير متكافئة قرب السواحل الإيرانية، حيث تمتلك طهران تفوقًا نسبيًا في أدوات الحرب غير التقليدية، بما في ذلك الألغام البحرية، الزوارق السريعة، الصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة. وهكذا، تصبح أي محاولة لفتح المضيق بالقوة عملية استنزاف طويلة الأمد، مع احتمالات فشل أو تكاليف باهظة، ما يجعل الحسم السريع شبه مستحيل.
سيناريو آخر يتعلق بتهديد الولايات المتحدة عبر جزيرة خارك، التي تُعد مركزًا حيويًا لتصدير النفط الإيراني وتقع عند المدخل الشمالي للخليج العربي. أي محاولة أمريكية للسيطرة على الجزيرة ستكون محفوفة بالمخاطر، إذ إن إيران تمتلك دفاعات ساحلية قوية تستخدم نفس الأدوات: الألغام البحرية، الزوارق السريعة، الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يجعل أي تقدم أمريكي مكلفًا للغاية. بهذا المعنى، تصبح خارك نقطة تهديد استراتيجية محتملة للولايات المتحدة، وليست تحت سيطرتها، ما يزيد من تعقيد أي سيناريو تدخل عسكري في المضيق ويجعل الحسم شبه مستحيل.
في الوقت نفسه، تواجه إيران مخاطر كبيرة. فإغلاق المضيق أو تهديد جزيرة خارك يُفسّر دوليًا كتصعيد جذري ضد النظام الاقتصادي العالمي، ما قد يؤدي إلى توحيد مواقف المجتمع الدولي ضدها، وربما تبرير تدخل عسكري أوسع. كما أن الاقتصاد الإيراني، رغم تحمله العقوبات، سيتعرض لضغط إضافي نتيجة تعطّل طرق التصدير، ما يجعل القرار محفوفًا بعواقب محتملة على الداخل الإيراني.
أما سيناريو التدخل الأمريكي المباشر لفرض فتح المضيق، فيحمل طابع استعادة الهيبة، لكنه يشكل تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع. فالتدخل لن يقتصر على البحر، بل سيمتد إلى ضرب البنية العسكرية الإيرانية في العمق، ما قد يفتح باب مواجهة شاملة بين دولتين، مع احتمالات لتفعيل شبكات إقليمية إيرانية، تشمل الحوثيين في باب المندب، لربط الممرات البحرية في معادلة ضغط واحدة. هنا، يتحول الصراع من أزمة محلية في مضيق هرمز إلى تهديد عالمي لسلاسل التجارة والملاحة البحرية.
في كلا السيناريوهين، فإن العدو الإسرائيلي طرفًا سيتأثر بشكل مباشر بتداعيات أي تصعيد بري، سواء عبر الصواريخ أو تهديدات غير تقليدية، دون أن تمتلك السيطرة على مسار الأحداث. وهكذا، يتحول دورها من جهة تسعى للحسم إلى طرف مدمج في صراع تقوده الولايات المتحدة، مع تبعات معقدة على الأمن والاستقرار الداخلي.
رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي، فإن هذا التفوق لا يضمن الانتصار السريع. فطبيعة الصراع الحديث تُظهر أن التفوق لا يلغي قدرة الخصم على الاستمرار، بل قد يدفعه إلى اعتماد استراتيجيات مرنة وغير مركزية، ما يعيد إنتاج منطق الاستنزاف على نطاق أوسع، ويطيل أمد المواجهة، وهو ما يتوافق مع النهج الإيراني في إدارة الصراع.
في كلا السيناريوهين، يظهر عنصر جوهري: غياب الحسم الواضح. فإغلاق المضيق أو تهديد جزيرة خارك لا ينهي المواجهة بل يوسّعها، والتدخل العسكري لا يحسمها بل يعمّقها. في نهاية المطاف، يصبح عامل الزمن هو المحدد الرئيسي للنتيجة، حيث تصبح القدرة على الاحتمال وإدارة الاستنزاف معيار القوة الحقيقي.
المحصلة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل عقدة استراتيجية تختبر حدود القوة الأمريكية، ومرونة إيران في إدارة الصراع، وقدرة إسرائيل على الصمود ضمن منظومة لا تتحكم هي بالكامل في مسارها. لم يعد الانتصار التقليدي هو الهدف النهائي، بل القدرة على الاستمرار دون الانكسار، ما يجعل من هذا المضيق حقًا “آخر معارك” القوة الأمريكية في المنطقة، على الأقل ضمن النموذج الحالي للصراع.
*كاتب اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ديمونة..نقطة تحول عسكرية!

د. هاني الروسان* لم يعد ممكناً قراءة تطورات الحرب الجارية الان بين اسرا ئيل والولايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *