الإثنين , مارس 23 2026
الرئيسية / اراء / مؤشرات صعود الصين العظيم!

مؤشرات صعود الصين العظيم!

د/طارق ليساوي*
أشرت في مقال ” تحقيق التنمية الفعلية يتطلب إعطاء الأولوية لبناء البشر قبل الحجر …” إلى معاناة ذوي الإحتياجات الخاصة و أهاليهم، و كيف أن هناك حيف و سوء إدارة للمؤسسات العمومية التي تم إنشاءها للعناية بهذه الفئة، بل و حتى بعض الجمعيات التي لها صلة بهذا الموضوع، بعض مسؤوليها يتجارون في معاناة ذوي الاحتياجات الخاصه و أهاليهم .. و لعل ذلك ما دفعني إلى الجزم بأن ” بناء البشر قبل الحجر “…و من المعلوم أن العناية بذوي الاحتياجات الخاصة والقيام بأمرهم من فروض الكفاية على الأمة وواجب ديني و أخلاقي على كل فرد قادر و لو بأضعف الايمان..
فمن أوجب واجبات الأمة حكاماً وأفراداً ومنظمات وجمعيات خيرية الاهتمام بالضعفاء ورعايتهم ورفع الظلم عنهم، قال صلى الله عليه وسلم: “ابْغُونِي الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم” (رواه أبو داود)، وروى مصعب بن سعد بن أبي وقاص أن سعداً رأى أن له فضلاً على من دونه فقال صلى الله عليه وسلم “هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم” (رواه البخاري)، فهم أشد إخلاصاً في الدعاء وأكثر خشوعاً في العبادة لبعد قلوبهم عن التعلق بزخارف الدنيا، فالضعيف إذا رأى عجزه تبرأ عن الحول والقوة واستعان بالله، بخلاف القوي الذي يظن أنه يغلب الرجال بقوته فتعجبه نفسه…ومن يطالع التاريخ الإسلامي يرى كيف اهتم المسلمون بذوي الاحتياجات الخاصة في كل العصور، فقد أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه فرض لذوي العاهات راتباً في بيت المال حمايةً لهم من ذُلِّ السؤال…والخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز أمر بتخصيص قائد لكل كفيف، وخادم لكل مُقعد لا يقوى على أداء الصلاة وقوفاً….
لكن للأسف، الوضع في عصرنا يثير أكثر من علامة إستفهام؟ و ما يحدث هو تعبير عن داروينية إجتماعية و أنانية مقيتة ، و سيادة لمجتمع مادي منفلت من كل الأخلاق، مجتمع القوي يحصل على حقوقه و أكثر ، و الضعيف يدهس تحت الاقدام بل يدهس ممن هم ضعفاء مثله…
فمعضلة شعوبنا العربية أن القوي يأكل الضعيف ، و أن الشعوب ابتعدت عن المنهج القويم، فالحكام و من يتولون إدارة الشأن العام و يسهرون على إنفاذ القانون و ضمان أمن الوطن و المواطن هم نتاج لهذه البيئة المختلة، و هم أبناء هذه الشعوب ، فنحن لم نستوردهم من بلدان أخرى، و إنما هم نتاج هذه المنظومة الفاسدة ، بلداننا لا تعاني نقصا في الموارد و الكفاءات، و إنما شحا في القيم الإنسانية و الأخلاقية السليمة، تعاني فقر دم شديد، سببه أن كل شيء في بلداننا أصبح مزيفا “التدين مزيف” و “التعليم مزيف” و “الانتماء للوطن انتماء مزيف”، فالمجتمع المزيف كالعملة المزيفة ضررها أكثر من نفعها …
و معاناة ذوي الإحتياجات الخاصة هي إمتداد لمعاناة أكبر و أشمل ، و قد أشرت في أكثر من مناسبة و من هذا المنبر لحالات مواطنين فارقوا الحياة نتيجة للظلم و الحكرة وتبقى وفاة هؤلاء الضعفاء إجتماعيا و معاناتهم المستمرة وصمة عار على جبين السلطات محليا و مركزيا، و على جبين كل مواطن شارك في الظلم و لو بالصمت ، كما أن النظام السياسي يتحمل كامل المسؤولية السياسية و الأخلاقية على ما يحدث، بل إن السياسات العمومية المنحازة للقلة الغنية أنتجت دولة “الداروينية الاجتماعية” دولة شعارها “البقاء للأقوى” ..
لكن مع ذلك، من الخطأ أن نحمل مسؤولية هذه الانتهاكات المتكررة لفرد أو مجموعة أفراد أو لجائحة “كورونا”، لأن الخلل في الحالة المغربية مثلا، بنيوي و ليس و ليد الظروف الراهنة، ف”كورونا” كشفت المستور، و كذبت زيف فرادة النموذج التنموي المغربي و فرادة التجربة المغربية، ذلك أن النموذج التنموي المعتمد في المغرب منذ الاستقلال، نموذج فاشل و لم و لن يخدم التنمية الفعلية، ولن يحرر النمو الإقتصادي من الحلقة المفرغة التي يدور فيها ، و من ثباته المرضي في عتبة ما دون 3٪، و ارتباطه بالتغيرات المناخية، رغم كل الخطابات و المبادرات و المشاريع الضخمة التي لا نرى لها أثرا على الواقع الإقتصادي و الإجتماعي لغالبية المغاربة…
و بصفتنا أحد الأكاديميين و الإقتصاديين الذين توجه إهتمامهم البحثي و المعرفي لدارسة التجارب التنموية لبلدان شرق آسيا و في مقدمتها الصين، فإننا نوجه بوصلة صناع القرار المغربي و العربي عامة إلى رؤية تنموية من خارج الصندوق و بعيدة نسبيا عن التوجه الأرثودوكسي ، و الذي ماهو إلا تطبيق حرفي، و تنفيذ غير عقلاني لأجندة وتوصيات المؤسسات المالية و النقدية الدولية والتي تخدم أطروحة تنموية نيوليبرالية متوحشة، تفقر الفقير و تغني الغني و تنتج مجتمع القلة المترفة…
و القول بفشل النموذج التنموي المغربي فيه مبالغة و مجانبة للصواب، فليس هناك أصلا نموذج مغربي، و كل ما يتم تنفيذه من سياسات و إصلاحات هو نتاج لبرنامج التقويم الهيكلي و التي خضع لها المغرب رسميا منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، و لازال البرنامج مستمرا بوثيرة مختلفة نسبيا، لكن على العموم فإن الإبداع المغربي شبه غائب، فهذا التوجه العام خضعت له العديد من بلدان العالم الثالث، و البلاد التي استطاعت تحقيق إقلاع إقتصادي هي من تجنبت أجندة البنك و صندوق النقد الدوليين و إجماع واشنطن..
أما الاستمرار في توجيهاتهم القائمة على فلسفة المشاريع الكبرى الموجهة لخدمة الدين الخارجي، و التقليص في الإنفاق العمومي على الخدمات و السلع العمومية كالصحة والتعليم، على أنها قطاعات غير منتجة، فإنها تقود إلى كل ما نراه من إختلالات إقتصادية وإجتماعية و تشوهات تنموية، وهذا التوجه فيه مخالفة صريحة للمسلمات التنموية وللشواهد و الأدلة الثابتة، و التي مصدرها التجارب التنموية الدولية المقارنة، ومن ضمن هذه المسلمات نذكر أن تحقيق التنمية يقتضي الاستجابة لشروط و ضوابط أساسية أهمها:
القضاء على الأمية والجهل
القضاء على الفقر وتقليص الفجوة بين من يملكون الثروات الطائلة و من لا يحصلون على لقمة العيش اليومية…
بناء ديمقراطية حقيقية و ليس ديموقراطية شكلية فارغة من مضمونها، فالديموقراطية غايتها رفع مستوى مشاركة السكان في وضع و إختيار السياسات التنموية التي تخدم تطلعاتهم الٱنية والمستقبلية، وفي ظل غياب الديموقراطية الفعلية تصبح السياسات تصاغ و تنفد من قبل بيروقراطية غير منتخبة تستمد شرعيتها و درايتها من تنفيذها لتوصيات و تعليمات المؤسسات الدولية …
توسيع نطاق الحريات و الحقوق الفردية و الجماعية
الإهتمام باللغة الوطنية و الإستفادة من القيم الثقافية والحضارية لدعم التنمية، مع الإنفتاح الإيجابي على التجارب الدولية الرائدة..
الإستثمار في العلم و تشجيع البحث و التطوير عبر دعم الكفاءات و تشجيعها و إحتضانها…
فالخطاب السياسي الذي يحاول البحث عن توصيفات غير دقيقة للإشكالية الحقيقية التي تعرفها البلاد يعد سبب رئيس في إستمرار السياسات الفاشلة ذات الطابع الترقيعي، و التي تحاول تخذير الوضع بدل علاجه و تطويره ، و هذا التوجه يغدي إستمرار التناقضات البنيوية التي تستوطن الواقع المغربي بمختلف تجيلاته، فالمغرب و معه باقي البلدان العربية ، يجدف عكس التيار و استمرار توجيه النقذ للنموذج بدلا من توجيه النقذ للمسؤوليين و المنفذين لهذا النموذج، هو هروب من الواقع ، فالإصلاح يمر عبر بوابة هدم و إعادة هيكلة البنية السياسية الفوقية، فلا يمكن تحقيق التحول و الإقلاع التنموي بنظام سياسي ينخره الفساد و المحسوبية و غياب المحاسبة والمساءلة، نظام يغلب الولاء على الكفاءة والدراية، ولا يمكن تشجيع الإستثمار الأجنبي و إستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، بينما المغرب و باقي البلاد العربية تعرف منذ 2011 هجرة معاكسة لرؤوس الأموال المحلية باتجاه الملاذات الأمنة، فمن باب أولى استرداد هذه الأموال للداخل، فرجوعها كفيل بخلق انتعاش إقتصادي و تحفيز دورة تنموية حميدة و نشطة في الإقتصاد الوطني…
و حتى أقرب الصورة للقارئ فإني سأوجه بوصلة إهتمامه للصين ..فعندما أراد الصينيون القدماء أن يعيشوا في أمان، بدأوا بناء سورًا شاهقًا، واعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه.
ولكن خلال المئة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات! وفي كل مرة لم تكن جحافل العدو في حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه، بل كانوا فى كل مرة يدخلون عبر بوابات السور…!
كان العدو يدفع الرشوة لحراس البوابات، ثم يدخلون. فقد انشغل الصينيون ببناء السور ورفع عماده ونسوا بناء الحارس!
فالتنشئة هي الأساس، وبناء الإنسان يأتي في المقدمة، ومع انتشار الفساد السياسي و الاقتصادي و الأخلاقي، و سيادة الداروينية الاجتماعية ، وصعود الثقافة الاستهلاكية و الأنانية المفرطة، أصبح من الضروري الاهتمام بالتربية و التنشئة الصحيحة و الاهتمام بالقيم الأخلاقية البناءة لمواجهة موجة الانحدار و الخروج من الدورة الفارغة و الانحدار باتجاه الحدارة لا الحضارة …
و ما دمنا أشرنا إلى قصة سور الصين العظيم فمن الجيد أيضا، الإشارة إلى صعود الصين العظيم في عصرنا هذا ، وهذا الصعود تجسيد لدورة العمران على حد تعبير “ابن خلدون”، فالدول تمر من مرحلة الطفولة والشباب والفتوة ثم الشيخوخة والأفول، و أن ما يحدث اليوم للعالم العربي و الإسلامي من هبوط للقاع و تفكك ودمار و سفك للدماء، و تبعية مطلقة للأجنبي، و تفريط في الحقوق و الثروات الوطنية، خدمة لمصالح ضيقة الأفق تخص البطانة الحاكمة بالدرجة الأولى، كل هذه المثالب و السلبيات بقدر ما تثير في النفس الحزن والأسى، بقدر ما تدعو إلى التفاؤل لأن التغيير قادم لا محالة ، و دوام الحال من المحال…
و لعل هذا التفاؤل نابع من التجربة الصينية ، فالصين التي تتجه نحو قيادة العالم اقتصاديا و سياسيا و عسكريا، انتقلت من “حالة فقر الدم”، الذي عانت منه عند نهاية القرن 19 ومطلع القرن العشرين، حيث تدهور مستوى الإنتاج والسكان وانكسر نسيج التقدم العلمي، وانتشر الفكر الأصولي. لكن مع نهاية الربع الأخير من القرن الماضي دخلت “مرحلة الانطلاقة الكبرى” حيث تم تحديث البنية الاقتصادية والعلمية والثقافية للمجتمع الصيني…غير أن هذا التحول السريع لم يكن ليتحقق لو لم تتوفر شروط موضوعية ساعدت على تحققه…
فحالة النكوص والتدهور التي شهدتها الصين خلال القرن 19 وطيلة النصف الثاني من القرن 20، لا يمكن أن تخفي حقيقة أن الصين حضارة عريقة، تملك مقومات مادية ومعنوية تؤهلها لاحتلال مكانة سامقة بين الأمم العظمى. وأن حالة التخلف والانحطاط لم تكن إلا “طفرة ظرفية” في مسار تطور الحضارة الصينية، فإذا ماحللنا الوزن الجيوسياسية للصين China’s Geopolitical Standing في مرحلة ماقبل إصلاحات 1978، سنجد بأن الصين كان لها حضور قوي على خريطة العالم. ويظهر ذلك من خلال المؤشرات التالية :
أولا- على المستوى الاقتصادي بلغت حصة الصين من الناتج الداخلي الإجمالي للعالم سنة 1820 حوالي 32,9% ، وهو ما مكنها من احتلال الرتبة الأولى عالميا على مستوى GDP. و في سنة 1890 متلث الحصة حوالي 13,2% وهو ما مكنها من احتلال الرتبة الثانية عالميا ، بينما لم تتعدى هذه الحصة 4.6 % سنة 1952، 4,9% سنة 1978 ، وهو ما جعلها تحتل الرتبة الثالثة والرابعة على التوالي..
ثانيا- على المستوى الديموغرافي : متلث ساكنة الصين حوالي 36,6 % من ساكنة العالم سنة 1820 ، وحوالي 26.2% سنة 1890 ونحو 22,3 %سنة.
ثالثا- على المستوى العلمي ؛ إن الحضارة الصينية في القرن الأول قبل الميلاد حتى القرن 15م “كانت أكفأ بكثير من الحضارة الغربية في تسخير المعرفة العلمية، وخاصة من الناحية التطبيقية التكنولوجية…
و بالعودة إلى عالمنا العربي فإني متفائل لأن ما تعيشه مجتمعاتنا مشابه- إلى حدما- لما عاشته الصين في مطلع القرن 20، و بدورنا سوف نخرج من حالة الغثائية و دورة العمران تقترب بالتدريج و الخروج من الحدارة إلى الحضارة قريب لا محالة، لكن الحلقة المفقودة هي غياب القيادة الرشيدة القادرة على قيادة التغير و توظيف الإمكانيات و الفرص و الموارد لصناعة النهضة و الصعود باتجاه منطقة الضوء..وسنحاول في مقال موالي إن شاء الله تعالى استكمال هذا النقاش… والله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..
*إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة…

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل تستطيع إيران حرمان الصهيونيَّ من أهم أدوات هيمنته الإقليمية؟!

د. حسان المالكي* إن إتفاقيات الغاز الموقعة بين الكيان الصهيوني وكل من الأردن ومصر تشكل …