الخميس , مارس 26 2026
الرئيسية / اراء / ما بين فشل قمة ونجاح أخرى!!

ما بين فشل قمة ونجاح أخرى!!

فاطمةالجبوري*
كنت قد تحدثت في مقالي السابق عن كسر أحادية الأقطاب السائدة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ولكن وبعد انتشار صور قادة كل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتركيا وروسيا أصبح لزاماً علينا الحديث عن ظهور معادلات وتحالفات سوف تدفع نحو انهيار خرافات الغرب والقوة الورقية المزعومة التي هدد بها العالم على مدار الثلاثين عاماً الماضية بقيادة الولايات المتحدة.
في الوقت الذي فشلت فيه زيارة بايدن بتحقيق أي من أهدافها المعلنة وغير المعلنة وعودته خالي الوفاق إلا من إهانات هنا وهناك، اتسمت القمة الثلاثية بين إيران وروسيا وتركيا بالنجاح الكامل حيث حققت هذه القمة جميع أهدافها كما عملت على تعميق العلاقات بين الدول الثلاثة بجهود حثيثة من قبل طهران.
اللافت للانتباه هو التغطية الإعلامية الواسعة لهذه القمة ومخرجاتها من قبل وسائل الإعلام العالمية والعربية حيث فاقت التغطية الإعلامية لهذه القمة، قمة بايدن وزيارته إلى الشرق الأوسط وذلك لإن الجميع يعلم بأن قمم بايدن وإسرائيل كان مصيرها الفشل بينما القمة التي عقدت في طهران فقد كانت نقطة عطف تاريخية وحققت نتائج ملموسة ومباشرة حتى قبل اختتامها.
إذا ما أردنا الحديث عن الأهداف المعلنة التي تم تحقيقها خلال هذه القمة فنحن نتحدث عن:
أولاً: تمديد عقد توريد الغاز من إيران إلى تركيا لمدة تصل إلى 25 عاماً.
ثانياً: الدعوة لرفع التبادل التجاري بين البلدين من 7 مليارات دولار إلى أكثر من 30 مليار دولار. حيث تعول كل من طهران وأنقرة على انتهاء أزمة كورونا ولذلك لا بد من تعزيز التبادل التجاري لتحقيق المصالح المشتركة.
ثالثاً: وقعت طهران وروسيا على استثمارات في حقول الغاز والنفط في إيران بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار. وهي استثمارات ضخمة للغاية تُمّكن البلدين من التخلي عن الاستثمارات الغربية التي تربطها الولايات المتحدة دوما بمسألة رفع العقوبات وتخلي كل من روسيا وإيران عن قوتها العسكرية مقابل رفع هذه العقوبات.
رابعاً: تقريب وجهات النظر حول المسألة السورية وضرورة الحل السياسي فيها. فعلى الرغم من بعض الخلافات إلا أن الدول الضامنة الثلاثة تؤكد على ضرورة رحيل القوات الأجنبية من الأراضي السورية والمقصود بشكل أخص هو القوات الأمريكية.
أما إذا ما أردنا الحديث عن الأهداف غير المعلنة التي من المحتمل أن تكون الدول الثلاثة قد اتفقت حولها فهي كالتالي:
أولاً: فتح مجال أوسع لإيران في سوريا وذلك لإن القوات الروسية مشغولة في الحرب الأوكرانية.
ثانياً: إن فتح المجال للقوات الإيرانية في سوريا يعني بالضرورة أن تمتلك القوات العسكرية الإيرانية والسورية إمكانية أكبر للرد على أي عدوان إسرائيلي في سوريا. مما لا شك فيه أبداً أن الدول الثلاثة ناقشت مسألة التدخلات الإسرائيلية في سوريا خصوصاً بأن تركيا كشفت قبل أيام عن شبكات تجسس إسرائيلية تعمل على الأراضي التركية وتهدد الأمن القومي التركي. ناهيك عن أن إسرائيل داخلة في تحالف غربي مع أوكرانيا كما أنها تقدم أسلحة إلى أوكرانيا بشكل مستمر وهذا ما دفع بتزعزع العلاقة مع روسيا التي قررت (بحسب مصادر موثوقة في وسائل الإعلام الغربية) أن تقوم بشراء مسيّرات إيرانية قادرة على تغير معادلة الحرب في أوكرانيا وقادرة على تدمير أي أسلحة جديدة تتلقاها أوكرانيا من الولايات المتحدة أو أوربا.
ثالثاً: اصطحاب تركيا لوزير دفاعها وتوقيعها عدد من الاتفاقيات الدفاعية يعني بأن هناك تنسيق أمني دفاعي بين تركيا وإيران بوصفهما القوتان الإقليميتان الفاعلتان في المنطقة.
رابعاً: لا يقتصر التنسيق بين تركيا وإيران على المجال العسكري والدفاعي بل ينسحب إلى المجال التجاري. فبالإضافة إلى تعزيز التبادل التجاري وتمديد عقد توريد الغاز إلى تركيا، فقد أمر القائد الأعلى علي خامنئي بتعزيز الروابط التجارية مع تركيا بشكل فوري وقوي، وقد جاءت هذه التعليمات بعد اللقاء الإيجابي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وخامنئي. إن عقلية أردوغان البراغماتية جعلته مقتنعاً بأن الزمان قد تغيّر، وبأنّ الولايات المتحدة لم يعد لها أي دور يذكر في المنطقة. كما شاهد أردوغان بأمّ عينيه كيف تخلت عنه الولايات المتحدة والناتو إبان إسقاط الطائرة الروسية في سوريا. كما لمس أردوغان بصورة محسوسة هشاشة التحالف مع الولايات المتحدة وتخليها عن حلفائها بلمح البصر. أردوغان يدرك تماماً بأن دول المنطقة كذلك لم تساعده في أزمته الاقتصادية الداخلية وبأن الوعود التي قدمتها بعض دول المنطقة لم تتخطى مرحلة الوعود ولذلك فهو اُستقبل بشكل حفيف في إيران ووجد بأن إيران حليف حقيقي وقوى إقليمية ودولية مرجحة في المشهد العالمي.
خامساً: أصبح من الواضح للجميع ضرورة التنسيق المشترك بين الدول التي تتعرض للعقوبات الأمريكية والغربية. إيران لديها باع طويل جداً في عملية الالتفاف على العقوبات وهي بعد سنوات وسنوات من العقوبات أصبحت مستقلة اليوم وأصبحت العقوبات مجرد فزاعة أمريكية. لقد فهمت روسيا تماماً بأن التعاون مع إيران في مجال العقوبات الأمريكية سوف يجعل سلاح العقوبات هذا سيفاً مسلطاً على رقاب أوربا والولايات المتحدة نفسها. كما تعمل الدولتان معا من أجل حذف عملة الدولار من تعاملاتهم التجارية الثنائية كما أن هناك مقترجا لدول بريكس بالتخلي عن الدولار في المعاملات التجارية في أسيا. إن انضمام الصين لهذه العملية سوف يجعل الدولار عملة ثانوية وسيفقد تأثيره وسيسقط تماما كما سقط اليورو نتيجة الحرب الأوكرانية.
سادساً: اتفقت كل من تركيا وروسيا على حل مشكلة تصدير الحبوب الأوكرانية عبر الموانئ شريطة أن يتم تفتيش السفن التجارية خشية تهريب السلاح إلى أوكرانيا.
سابعاً: لقد صرّح الرئيس التركي بتصريح لافت للاهتمام وهو بأنّه إذا لم تتحقق مطالب تركيا فإنها سوف تعرقل انصمام كل من السويد وفلندا إلى حلف الناتو. وهذا قد يكون نتيجة لجهود بوتين في اقناع أردوغان بعرقلة مثل هذه التحركات والوقوف أمام الأطماع التوسعية لحلف الناتو!!
ختاماً، لم تكن قمة إيران وتركيا وروسيا رداً على قمم بايدن الفاشلة، وذلك بسبب القوة الاستراتيجية التي وصلت إليها هذه الدول والتي جعلتها محورا مهما في السياسات الدولية اليوم كما أنها لا تآبه بما ترغب به الولايات المتحدة أو تحاول تنفيذه في منطقة الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة ومن خلفها إسرائيل أصبحتا منفورتان ولا نفوذ لهما وحرب أوكرانيا ونجاح إيران في تخطي أزمة العقوبات والتحول إلى دولة العتبة النووية خير دليل على ما نقول.
لقد جاءت القمة كحركة أولى من تركيا لتعزيز التعاون مع إيران وروسيا والابتعاد عن المحاور الغربية الفاشلة. وأخيراً فإن هذه القمة أكدت مرة أخرى على مدى صواب ودقة الرؤية الإيرانية لمنطقة الشرق الأوسط القائمة على أن التدخل الخارجي هو العامل الرئيسي في زعزعة الأمن والاستقرار وبأن دول المنطقة هي الوحيدة القادرة على حل المشاكل والتنسيق فيما بينها دون تدخل إسرائيلي أو أمريكي أو أوربي.
لعل المثل المشهور تغير بعد هذه القمة ليصبح “كل الطرق تؤدي إلى طهران”.
*كاتبة وباحثة عراقية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

إيران… حكاية أمة ترفض الانكسار!

ميشيل شحادة* إيران ليست دولة عابرة في التاريخ، بل هي واحدة من تلك الكيانات الحضارية …