الجمعة , مارس 27 2026
الرئيسية / اراء / من قَتْلْ الفلسطينيين إلى اللعب بالشعوب!

من قَتْلْ الفلسطينيين إلى اللعب بالشعوب!

خالد شحام*
على مدى الأسبوع الماضي نشرت عدة تقارير صحافية عالمية وعربية خبرا يبدو عاديا وسريعا في عالم الأخبار المتقلب والمتعجل ويتعلق هذا الخبر بتحقيق صحافي نشرته صحيفة “الغارديان” في تحقيق لها عن (شركة إسرائيلية ) تدخلت في أكثر من 30 عملية اقتراع أو انتخابات حول العالم مستخدمة عمليات التضليل الالكتروني والقرصنة والتخريب ، و قاد التحقيق إلى الكشف عن مسمى (فريق خورخي) الذي قام بتنظيم هجمات على خوادم الحواسيب واستخدم حسابات مضللة للوصول إلى تلك الغايات.
العقل المدبر الذي يقف وراء عمليات القرصنة هذه هو ( تال حانان ) الذي يدعي بأن الفريق قام بـ 33 عملية سرية في انتخابات رئاسية ، حيث يعمل بدون لفت الانتباه ولأكثر من عقدين في عدد من الدول ، وأخبر حانان الفريق الصحافي السري أن خدماته متاحة للوكالات الاستخباراتية والحملات الانتخابية والشركات الخاصة التي تريد أن تتلاعب بطريقة خفية بالرأي العام وتشمل الخدمات التي تقدمها الوحدة حزمة برمجيات متقدمة وحلولا إعلامية متطورة وتسيطر على سلاسل من المعلومات الشخصية على ( تويتر ولينكد إن وفيسبوك وتلغرام وجي ميل وانستغرام ويوتيوب ) وحسابات على أمازون ومعلومات عن بطاقات الائتمان ومحافظ ( بيتكوين ) وحسابات على موقع (Airbnb). وضمت مجموعة الصحافيين الذين قاموا بالتحقيق في نشاطات هذه الوحدة ثلاثون صحيفة بما فيها لوموند ودير شبيغل وإلبايس.
للحقيقة كنت أنتظر العديد من الكتاب العرب لإمساك هذا الخبر ومنحه التحليل المناسب والأهمية المناسبة لكن للأسف أصبح الحال العربي معتادا على تقبل الهزائم وتلقي الصفعات ولذلك تم ابتلاع الخبر بالسرعة المعتادة .
في بداية الكلام أتمنى ألا نشعر بإثارة ومغامرات الجواسيس كما في جيمس بوند الأسطوري لأن العاملين في هذه الوكالات ليسوا إلا حفنة من القتلة والمجرمين الذين بدأوا يشعرون بالملل من قتل الفلسطينين فانتقلوا إلى لعبة أكثر إثارة اسمها اللعب بالشعوب من خلال (البلاي ستيشن ) لأنها أكثر إثارة !
كما تلاحظون وكما نتابع جميعا فبرنامج بيجاسوس الذي هز العالم الغربي والعربي بفضائح التجسس والاختراق وسرقة البيانات والاستماع الى المحادثات ليس بعيدا عن ذاكرتنا ووعينا بل هو جزأ لا يتجزأ ليس من برامج التجسس والجاسوسية التقليدية العالمية التي نسمع عنها بل هو جزء من نهج بني اسرائيل في إفساد هذا العالم والعبث فيه كما هي سيرتهم عبر التاريخ الطويل مع الشعوب والدول التي تحتضنهم ،
في عبرة الأمثال لا توجد نار بلا دخان وكذلك لا توجد مؤامرة ولا دسيسة في بلاد العرب أو بلاد العالم إلا وهؤلاء يشغلون حيزا منها في نفس النهج التاريخي الذي لم يتغير منذ وجدوا على الأرض ، لو قمنا بعمل جردة حساب أخلاقية لما يجتاح عالم اليوم من الكوارث الأخلاقية فسوف نكتشف رابطا عجيبا بين كل هذه المصائب وبينهم ، من هو المسؤول في العالم بالدرجة الأكبر والذي يقف خلف شبكات الإنتاج الإباحي والتجارة بالجنس والرذيلة وتكريس المثلية سواهم؟ من هو الذي يقف وراء الأزمات المالية ويلعب بأسعار الذهب والنفط والعملات وربا الفائدة ؟ أليسوا هم ؟ من الذي يشعل الحروب ولأجل من تصنع النار بين بلد وآخر ؟ أليسوا هم الذين أشعلوا معظم حروب هذا العالم؟
لا نفهم بالضبط ماذا هم هؤلاء ولا نفهم مم هي مصنوعة معادنهم ؟ لماذا لم نسمع عن هذه ( الدولة ) سوى في المؤامرات والقتل والتحريض والاصطفاف مع الشيطان في كل موضع من مواضع البشرية وكل تاريخ من الأذى ؟ لماذا لم نسمع عنهم سوى الفتن والأذى وسرقة حقوق الشعوب في كل قطعة من قطع التاريخ ؟ هل قرأتم عن سرقتهم للمخطوطات التاريخية أثناء ( مساعدتهم ) لضحايا الزلزال في تركيا ؟ هل من المعقول أن العالم لا يرى بشاعة أفعالهم ؟
في الواقع أن خبر شركة خورخي لخدمات التلاعب وشقلبة الحق الى باطل والباطل الى حق ليس الشيء الوحيد الذي يجب أن يتشكل في وعي المواطن العربي لأن مثل هذا الخبر يعني الشيء الكثير ويمكنه أن يفك حُجُب السحر الغريبة التي تفسر لماذا يستكين المسؤول العربي والحكم العربي لكل إملاءات الصهاينة والهيمنة الامريكية المطلقة حيث أن خدمات التجسس في المرحلة الحالية لم تعد تقدم معلومات عسكرية او خطط عربية لشن هجوم على الكيان بل تقدم مواد سرية معظمها يستند إلى منطق الفضائح والمستمسكات المخزية التي تجبر كل المتورطين على الخضوع دون قيد ولا شرط حتى لو كان على حساب نهب بلادهم والفتك بشعوبهم .
إن هذا الخبر لن يضيف جديدا في توقعات أي طرف متابع أو يمتلك العقل الواعي ولكنه يسمح لنا بشيئين إثنين ، الشيء الأول هو إطلاق الخيال لرؤية ما يفعلونه بنا من خلال شركات التجسس الرقمية التي أستولدت بسرعة وعجالة لتتمكن من إستغلال طاقات العالم الرقمي الجديد الذي أصبح ركنا أساسيا في حياة الشعوب وتوجيهه ليكون أداة تحكم فكري وسياسي غير مباشرة ، والشيء الثاني هو إعادة النظر في فهم و تفسير ظاهرة عدوى الجرب السياسي المسماة ( بالتطبيع ) ، كيف تمكن أعداء هذه الأمة من خلق هذه الظاهرة وتحقيق الانتشار المتواصل لها ؟ هل حدث ذلك بين ليلة وضحاها وبمجرد أن التقى الطرفان وتحابا في السياسة والاقتصاد ؟
من الضروري جدا فهم نقطة جوهرية وهي أن فضح شركة خورخي وبيجاسوس تمثل رؤية جزء صغير جدا من جبل الجليد التجسسي والنشاطات الهجومية والوقائية والدفاعية للكيان التطفلي السرطاني ، إن الاختراق الذي حققته وكالتا خورخي وبيجاسوس من خلال الحواسيب يعتبر ثانويا أمام اختراق الداخل العالمي والعربي ماديا وفعليا ، لقد تم استخدام أجنحة متخصصة في وكالات الاستخبار للعدو لتحقيق هذا النوع من الاختراق ، جرت العادة في التاريخ السابق لمرحلة النضال العربي ضد الكيان الصهيوني أن أعمال التجسس والاختراق التي كان يحققها العدو كانت تستهدف الرؤوس المخططة والمُنظِرة وصاحبة القرار الثائر بهدف التحييد والاغتيال ، كان ذلك في النمط القديم من حرب الجاسوسية الصهيونية ضدنا ، اليوم تغيرت قواعد اللعبة وأصبحت مهام بعض الأقسام الاستخبارية المتخصصة تكاد تكون أبعد ما يمكن عن النواحي العسكرية والزي الرسمي والدوام في مكاتب رسمية ، مهمات اليوم تحولت إلى تنفيذ السحر على العقول والاستيلاء على القرارات الكبرى والشخصيات النافذة دون المعدات العسكرية والمكاتب التقليدية ، المهمات الجديدة أصبحت من مثل إفساد الأجيال ، إحباط أية ثورات تحررية فكرية ، حرق الشخصيات النافعة المؤثرة ، تعزيز طبقات اللصوص والفاسدين وبائعي الأوطان ، التدمير الاقتصادي والمعنوي ، التلاعب بالأديان….
آليات الاختراق الحقيقي لهدف السيطرة وبعيدا عن علوم الحواسيب تقع ضمن نظريتين سيكو- استخباريتين ، الأولى تسمى زرع البويضات والثانية تسمى ( البكتيريوفاج ) او الاستنساخ الفيروسي ، في النظرية الأولى يقوم العدو بزراعة شخصية تتمتع بمواصفات مؤهلة للصعود من حملة المواصفات المناسبة مع سيرة ذاتية مطعمة بالإغراءات للطرف المستهدف ، وهذا الزرع يكون عادة بتزكية من جهات خارجية ثقيلة أو اتفاقيات أو إملاءات صندوق النقد أو هيئة أممية ، والوسط المزروع قد يكون حكوميا أو اقتصاديا أو شخصية عامة ثم يتم تدريجها لتصل إلى مناصب مؤثرة وذات قدرة على صناعة القرارفي المراكز الحاسمة أو التشريعية ، يحدث نضج البويضة عند وصول هذه الشخصية للمركز المطلوب لتبدأ بالخطوة الثانية .
في النظرية الثانية ووفقا لعلوم البيولوجي فإن الفيروسات التي نعرفها تتكاثر بطريقة غريبة قائمة على الدخول إلى الخلية الحية ( مثل الخلية البكتيرية في حالة البكتيروفاج ) ثم يعبث الفيروس بالحامض النووي للخلية ليسيطرعليها ثم يعمل على إستنساخ نفسه بداخلها وتاليا تنفجر الخلية المستهدفة مولدة نسخا عديدة من الفيروس ، ووفقا لنفس الآلية فإن الشخصية التي تم وضعها وفقا لفكرة زرع البويضة تقوم بإعداد قائمة شخصيات مستهدفة تتمتع بمؤهلات محددة من مثل : المنصب الوظيفي التحضيري – أخلاق لا دينية ولا إنتماء وطني – انتهازية – الفراغ الايديولوجي ويتم استدراجها بالمغريات التاريخية الدائمة : المال – الجنس -المركز أو أن هذه الشخصيات تتمتع بالعامل العقائدي السري او الإنتماء الجيني او الإثنين معا وفي هذه الأثناء يتم توثيق كل هذه الأفعال بوسائط سرية ثم تستخدم كوسيلة ابتزاز تاليا لتحول الشخص الى عبد مطيع غارق في النعيم ولكنه هزيل وضعيف ومدان مدفوع بكل السبل ليكون أداة تنفيذ ، هذه الأدوات يتم تسخيرها لقبول وتعزيز ورفع شخصيات مشابهة في نفس الخلية ومنحها فرصة الوصول إلى سدة النفوذ والمحصلة الكاملة بعد سنوات من هذه الخطة أن الخلية ( وزارة – مؤسسة تشريعية – قضائية – صاحبة ولاية ) تنفجر لتنتج نسخا من الفيروس الأصلي كلها محكومة من نواصيها ولا تقدر إلا أن تكون عبدا في جيش الشيطان وتعمل وفقا لأجندة موحدة.
بهذه الميكانيزميات تمكنت دولة الاحتلال من التغلغل التاريخي في أنظمة الحكم العالمي والعربي وحولت حياة الشعوب إلى جحيم من خلال هذه الخلايا ، تابعا تتم عمليات الترصد والمراقبة من خلال شكبات التجسس لضمان الهيمنة والرقابة على الأداء والتدخل في اللحظات المناسبة .
الناتج مما سبق ومن كل عمليات الطرح والجمع والقسمة في الخارطة العربية الحالية التي نعرفها أن هذه الخارطة انكمشت بشدة ولم يعد شكل القارة العربية كما تعرفونها أو تظنون ذلك ، هنالك مكاسب كبيرة حققتها دولة الكيان على هذه الخارطة وبالتالي الخارطة العربية الحقيقية المتخيلة في الذهن لم تعد تتعدى رقعة صغيرة من خارطة الوطن العربي و تتركز في بعض الدول وحسب ولم يعد الباقي عربيا بالمعنى الحقيقي لأن الزمان الرقمي الاسرائيلي استولى على كل شيء بينما هو قابع في الارض المحتلة .
دعونا لا ننسى أيضا أن الإعلان عن هذا التحقيق ليس بريئا في واحدة من غاياته مهما تبدى من السبق الصحفي والوظيفة الصحافية المقدسة في كشف الحقيقة وهذه الاسطوانة المشابهة لاسطوانة الديموقراطية الغربية فلو سألنا أنفسنا مثلا ما الذي سينعكس على عمل هذه الشركة وقائمة زبائنها المتاحة ، ما الذي سيفعله هذا التقرير بشان الحقوق العربية وقوائم الضحايا الهائلة لها ولأمثالها ؟ الجواب هو لا شيء ! بل على العكس سيرفع هذا التحقيق من شهرة هذه الشركة والخدمات التي تعرضها وستمنحها فرصة التطوير والتغيير ومنح الضحايا والشعوب والحكومات المرعوبة المزيد من التقوقع والخضوع أمام النفوذ الصهيوني الذي تمدد مثل الأخطبوط عديد الأذرع تحت هالة القوة والمناعة واليد الطولى والعبقرية التجسسية ، إنها دعاية مجانية تخويفية في قالب من السبق الصحافي .
في سياق المجتمع العالمي الذي نعاصره تروج دولة الاحتلال نفسها كـ( شريك ) َقيِّم في ( مكافحة الإرهاب ) وكمستشار خبير في قضايا الأمن والحماية والزراعة والتقنيات الجديدة من العالم الرقمي ومبيعات الأسلحة وتقدم نفسها أيضا كنموذج فريد للديموقراطية واحترام القانون في منطقة الشرق الأوسط وهذا ما مكنها من التغلغل كمثال في دول أوروبا و الاتحاد الافريقي على يد الطغاة والمجرمين والفاسدين ليكتشف الكل بعد ذلك بأن هذه ( الدولة ) تبيع وتستخدم تقنيات وبرامج التجسس وتفرخ شركات متخصصة في التلاعب بالانتخابات في عالم أصبحت فيه ظاهرة الانتخابات بالمجمل مثل إقامة حفل شواء في مكب النفايات ، ومن ثم نكتشف أيضا أن هذه ( الدولة ) التي تزعم الحقوق والديموقراطية هي أكبر جهة سرية يمكن استئجارها لتنفيذ اجندات العبث بالديموقراطية وتعزيز الحكم الشمولي الفاسد وتصفية المعارضين والتجسس عليهم وتحييد أي نوع من النزاهة لصالح من يحقق لها الحضور والتغلغل في بلده .
نوجه هنا بهذه المناسبة شكرا كبيرة للرئيس الجزائري العظيم عبد المجيد تبون لمواقفه المشرفة والعروبية ولكل شعب الجزائر المناضل البطل الذي حمى ويحمي ولا يزال يحمل راية القضية الفلسطينية وراية القضية العربية و الذي تمكن من طرد هؤلاء القتلة من مقاعد قمة الاتحاد الافريقي ووجه لهم الرسالة العربية بالنيابة عن كل شعوب العرب والمسلمين ، وندعو الله بكل قلب مخلص بان تكون هذه فاتحة لنهج المقاومة المضاد لنهج التطبيع والاستعباد وندعو الله بقلب مخلص لقيادة الجزائر وشعبها العظيم بأن يحميهم وينصرهم ضد حلف الشيطان .
درجت عادة الكون والحضارات والنظم المتفوقة أخلاقيا بأنها تتعرض للهدم والدمار والتخريب على يد حضارات الشر وصناعة الأذى ، لكن البنية الثقافية العادلة والإنسانية تستطيع بناء الدول من جديد حتى لوحطمها طغاة التاريخ ، أما الدول التي تقوم حضارتها وقوتها على اغتيال الانسانية وانحطاط الحضارة والأذى والسرقة بكل معانيها فهذه ليست سوى عصابات مؤقتة يتكفل التاريخ تلقائيا بتنظيفها كل دورة من الزمن وإن غدا لناظره لقريب .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

معركة هرمز!

  أحمد عبدالباسط الرجوب* أمامنا قراءة تاريخية مثيرة، تستند إلى وقائع حرب السويس عام 1956، …