خالد شحام*
لم يعد من الممكن التفكير بكتابة أي موضوع أو أي مجال سوى فلسطين وما يجري على أرض الأنبياء ، كيف لا والدم الفلسطيني يتكلم ويستصرخ الفضــاء ؟ كيف لا وقتلة الأنبياء يقدمون كل بضع ساعات استعراضا للقرابين الفلسطينية تقربا للحاخام الأكبر ؟ كيف لا والشهداء يتقاطرون على بوابات الكرامة والمجد ويتسابقون للدفاع عن الأمة ؟
في ورقة الأجندة التي لآ أحب ان أراها تتزاحم تذكرة بوخزة حادة في ضمير الحاضر ، تذكرة مريرة لم أسطع عليها صبرا عمرها عشرون من سنوات يوسف العجاف والتي لم تأت فيها السنوات التي يغاث فيها الناس ، عشرون سنة مضت على غزو بغداد واغتصاب كرامة العرب أجمعين ، عشرون عاما من المهانة على رمزية إسقاط تمثال صدام حسين رحمه الله ووضع العلم الملوث على وجهه وتدافع الرعاع للهجمة عليه وفعل القبائح فيه ، عشرون سنة مقيمة في غرفة الخوف من الذاكرة والألم الذي لا يمكن التسامح معه ، حين سألت الشهداء في فلسطين عن سطور الكلمات والمفاضلة بين بغداد أو جنين اختاروا محبة العراق لأنه لا فضل بين دم فلسطيني على عراقي ولا سوري على يمني إلا بالرصاص المنضب من اليورانيوم والقذائف من وزن طن فأكثر او الحرق بالفوسفور الأبيض !
اعذروا كلماتي المقوسة والتي انحرفت عن طريقها وزمانها لأن عجائب سقوط بغداد أخرجت الكلمات عن معانيها وعن مواضعها وتحولت المعاني العميقة إلى معان سطحية وفقدت جديتها وأصبحت جزءا من مرحلة الهزل الطويل الذي نعيشه ، الهزل والمسخرة السياسية التي طال أمدها في عالم العرب وتحولنا فيها إلى دمى من شتى القياسات والألوان والأدوار وتحول فيها المهرجون إلى مصدري قرارات و وتحول حفاة وعراة الأمس إلى مراكز السيادة واليخوت واللوحات الفنية والذهب والعروش المطرزة بالشهوات والرذيلة بكل مسمياتها ، طال الزمان كثيرا في صمته إلى الحد الذي تحولت فيه الأوطان إلى بسطات موز وخرداوات تباع بالمزاد السياسي بالجملة أو المُفَرَّق ، هذا ما حصل لنا جميعا بعد سقوط بغداد وبكاء أحرار العراق .
مع الاقتراب من ثلثي آذار الحزين تنقضي سنوات عشرون على ذكرى الغزو الآمريكي للعراق والتي تعني بترجمتها الدقيقة المؤامرة الآمريكية – العربية على العراق ، جورج بوش المنقوع بالدم وريث الغزاة الأوائل الذين أبادوا وقتلوا مائة مليون من الهنود الحمر ومسحوا البشرية من الأرض الأولى يعيدون أمجاد الماضي في غزو العراق والتسلية بكيان مجرد من أي سلاح تحت كذبة عملاقة اسمها أسلحة الكذب الشامل ! تعلمنا الكثير منذ ذلك الوقت ولا زال أمامنا الاكثر كي نفهمه ونحلله ، لم يكن العراق هو البلد الوحيد الذي تم غزوه واحتلاله ، عسكريا وحربيا نعم تم احتلال العراق وكسر شوكته لكن بمعية ذلك كل بلدان العرب تم غزوها واذلال شعوبها من الخليج الى المحيط والاستيلاء على أموالها وثرواتها وتحويل حياة ساكنيها إلى شكل من أشكال الجحيم ، كل مواطن عربي بالمطلق دفع ثمنا ما لغزو العراق حتى لو كان مقيما في قلب واشنطن ذاتها عاصمة الخلافة السنية الجديدة ، العراق دفــع ثمنا باهظا من حياة شعبه وسكانه وقوته ونفطه وجغرافيته ومدنيته وعلمه وصلابة رأيه ، لكن العرب العاربة دفعوا ثمنا ضخمــا من كرامتهم وثرواتهم ورصيدهم التاريخي وسمعتهم كأمة تستشرف المستقبل بأكل بعضها والتآمر على بعضها البعض ، كلفة القذائف والصواريخ والرصاص الذي انهمر على بغداد و بساطير الجنــد والكافيار وراقصات الترفيه والميــاه المقوررة دفعتها الخزينة العربية ذات الشهامة ، أما الكرامة المهدورة بمعية الموت ذلا فقد دفعتها أمة العرب جمعاء ولا استثناء لأحد في الندامة .
غزو العراق أوقف عجلة التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي ووضع حـــدا حاسما للحلم العربي ، حجم الخسارة أكثر بكثير مما يمكن أن ترصده أقلام الكتاب وعدادات الفشل العربية ، لقد أغتصبت بغداد كما فلسطين من قبل وأندلعت نار الخسارة تأكل كل الحقول منذ ذلك التاريخ وحتى المستقبل القادم وارجعوا للتاريخ إذا لم تصدقوا ، عند إمعان النظر في الحالة العراقية بعد إزاحة غبار هذه السنوات العمياء سنفهم اللعبة الأمريكية ببساطة حيث خلقوا عقب الغزو ما يعرف بالحالة الشيعية كأداة هجوم مشحونة وجاهزة والتي تم جرها وتطويرها لتصبح العدو الداخلي في العراق لتواجه ما يعرف بتسلط الحكم السني لأن المصلحة الغربية كانت تحتاج ذلك ، اليوم وبعد هذه السنوات من غزو بغداد يعود الأمريكان لخلق الحالة السنية لمواجهة ما يسمى النفوذ الشيعي شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ، في كلتا الحالتين تم تصميم النموذجين لاستحضار أسوء ما في النفس البشرية وفي كلتا الحالتين يموت السني والشيعي وتربح أمريكيا وترث الأرض ومن عليها وما عليها .
كيف ولماذا سقطت بغداد من تحت الجذور وبعيدا عن الغزو ؟ الآجابة الجنونية القاتلة لكل المأساة الفادحة التي وقعت والتي ستمسح هذه المنطقة تلك هي التي صاغها العقيد القذافي في خطابه التاريخي الأخير عندما قال بشكل عفوي : من أنتم ؟ …… ثم ذهبت مثلا ، وبما ان للسؤال مشتقاته القاتلة مثل من هم ؟ ومن أنا ؟ ومن نحن ؟ فهنا تكمن الحكاية ويأتي تشخيص الوجع ..إنه سؤال الهوية والحاضر والماضي والمستقبل والذي فشلنا فيه جميعا بعلامة امتياز ونجحت الشعوب الأخرى عندما ألغت هذا السؤال من قاموسها ، إنه السؤال الذي فتك بالعراق عندما تم تحفيز هذا السؤال وتحويله إلى فوهة بندقية بين الأخ وأخيه .
عنوان الموت العربي وعنوان تمزيق وهزيمة العراق المريرة هو الهوية ، المستقبل المنظور لهذه المنطقة يتلخص في هذه الكلمة السامة التي صنعها الإنجليز للعرب بمهارة ، فلأجل هذه الهوية تم قتل ألوف مؤلفة من العراقيين ولأجلها أكلت البلاد لحم بعضها البعض بتحريض من الشيطان المعتدي ، لأجل هذه الهوية كمثال يُلقى بمجموعة كبيرة من المواطنين الفلسطينين والسوريين على الحدود اللبناينة وكأنهم كلاب حيث تتم إهانتهم وضربهم واحتقارهم بعيدا عن أعين إنسانية ، لآجل هذه الكلمة يعتقل ويعذب ويموت المواطن اليمني والمصري والفلسطيني على يد عصابات في ليبيا لأنه لا ينطق بالليبية ! لأجل هذه الكلمة تعتقل نساء وفتيات ويتعرضن للامتهان والاغتصاب على يد الأجهزة الأمنية لأنهن محسوبات على هوية الآخوان المسلمين ، لآجل هذه الكلمة اللعينة يلقى بالمواطن العربي في أحد مطارات العروبة ليذوق الذل والهوان على يد إخوانه العرب لأنه محسوب على هوية أردنية أو سورية أو فلسطينية أوحتى (غزاوية )، في أرياف سوريا والعراق وبيوتها الآمنه يدخل الملثمون ليلا ليسألوا الآمنين : من أنتم وما ربكم ؟ ويكون المصير معلقا بين الذبح والهوية ، أحدهم يحرم من العلاج والتعليم والتأمين بسبب الهوية …. هذه الهوية هي القنبلة الموقوتة التي يشحنها الظلم وغياب العدالة والتمزق …..هذه الهوية هي مولد المجانين وهواة الموت والقتل وقطع الرؤوس واختطاف الآخرين ، في عوالم العرب تتشكل المنطقة لتكون وعاء الموت والإبادة الماحقة في سبيل البحث عن الهوية وفي سبيل البحث عن الأنتماء من أنا ولمن أنتمي ولمن هذه الغنائم ولمن هــذه الأرض ومن عليها ؟ من أجل سؤال الهوية يموت الناس في كل بلاد العرب ، من أجل سؤال الهوية ينسلخ عرب من العرب ليكونوا مع اسرائيل ومع روسيا ومع ايران ومع الولايات المتحدة وحتى مع بلاد الواق واق .
سقط العراق وتمكنوا من جسده لأن نظام صدام فشل مثل غيره من حكام العرب في إجابة وتشخيص سؤال الهوية وتشكيل الوعاء الوطني الوقائي الجامع الذي لو كان موجودا وعادلا لما جرى ما جرى وما تكاثرت الطفيليات والأبواغ والمنشقين على جسده ، لا يزال العراق منهارا وفاشلا ومحطما لأن كل الذين حضروا بعد الاغتصاب جاؤوا من لولب تفكيك الهوية وصناعة ألف واحدة داخل البلد الواحد لأن هذه هي مهمتهم التي جيء بهم لأجلها ، عشرون سنة مضت و كل ثروات العراق وسكانه وعباقرته ونخبه وكل الفيض المالي الذي يتدفق من الآبار بالمليارات ووجود انتخابات وديموقراطيات وحراسات لم تشفع في استقرار أو هدوء أو الحصول على الحد الأدنى من الاحتياجات المدنية التقليدية التي تشعر المواطن بالحد الأدنى من الكرامة والأمان اللذين ذهبــا ولن يعود ا لأن سؤال الهوية غائب مغيب وبمعية غيابه يتكاثر اللصوص وحرامية التاريخ والاوطان ، درس العراق يعلمنا أشياء زاخرة في خرائط الفسيفساء الجديدة التي تزين قصور التجار ، أولها أن كرامة الأمة لا تستورد من الخارج ، وكرامة الآمة لا تصنع بوجود المليارات من الدولارات بين يديها ، وكرامة الأمة لا تستحضر بتركيبة كيميائية من الديموقراطية الغربية والشرقية ، كرامة الأمة تستوي وتحضر عندما تقيم العدالة فيها ويكون سؤال الهوية واضح المعالم وعادلا بما فيه الكفاية.
ذكرى جرح بغداد أشد عمقا وألما من أن اختصره في مقالة واحدة لكن لا بد من خواتم تطيب النفوس وتضع معالم الحل في سؤال بسيط ، السؤال الذي يراود تفكيري بصورة مستمرة ويلح في طلب الاجابة : لماذا يبقي العرب من أنفسهم رهينة للإملاءات الأمريكية ويقترفون هذه الخطايا والكبائر التاريخية التي لا تغتفر ؟ ؟ ماذا أورثنا الحلم الأمريكي سوى الفقر والمرض والفساد والهوان والاحتراب مع الذات وصناعة الفرقة وغياب الهوية ؟
يبدو أن طريق بغداد وطريق الكثير من بلاد العرب يجب أن تتغير وتختار طريقا آخر فيه بعض الأمل وبعض المتنفس ، ويبدو أن هذا الطريق ترسمه الصين وروسيا والحلف المناهض الصاعد بعيدا عن حلف الشيطان الأمريكي لأن اللوث الأمريكي أصاب كل شيء ولم يعد من باب للأمل سوى في هذا الاتجاه ، ندعو الله أن تكون الاتفاقية السعودية -الايرانية التي اعلنت بالأمس دربا جديدا يغير اتجاه الخطوات في كل المسارات ويذهب ببغداد إلى الأمان و الرفعة والسكينة وجمع ابنائها مرة أخرى واحتضان كل العراقيين بلا تفرقة ولا تفضيل .
ندعو الله أن يعيد للعراق قوته وحضوره ويطرد الغزاة ويجبر عثرات الزمان وجراح الماضي .
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر