الثلاثاء , يونيو 16 2026
الرئيسية / اراء / تطبيع السعودية!

تطبيع السعودية!

د. محمد المعموري*
اذا كان طموح ولي العهد السعودي ” الذي اعلن عنه ” في مناسبات عدة ان بجعل من الشرق الأوسط “أوربا” فهل هذا يعني أن من أولوياته تحرير فلسطين وطرد المحتل الصهيوني من قلب الأمة العربية وإنهاء المؤامرات الدولية بالتواجد غير المشروع للأمريكان وحلفائهم أم أن طموحه لا يتعدى بلاده أو ربما بعض بلدان مجلس التعاون الخليجي؟
وهل المقصود بأن يكون الشرق الأوسط أوربا بأن نمتلك ناصية العلم ونعمل على تنمية بلداننا العربية بعيدا عن التحالفات الشرقية والغربية، وهل سنجد من يسعى للتحالف معنا بدل “الهرولة” لإيجاد حليف نتغطى بعباءته…؟!
ولو تمعنا على عجل في قراءة التغييرات التي طرأت على السياسة السعودية الخارجية سواء كانت الاقليمية منها او العالمية مؤخرا فإننا نلمس ابتعاد السعودية عن أسلوب سياساتها السابقة واعتقد هذا التحول ناتج عن تذبذب السياسات الأمريكية اتجاه السعودية، وكذلك التغيرات التي حولت مسار السياسة العالمية من اتجاه القطب الواحد الى اتجاهات متعددة تتزعمها الصين وروسية كقطب يكسر تفرد امريكا في قيادة العالم خاصة بعد “كرونا “وما صاحبه من ركود اقتصادي الى الحرب الاوكرانية الروسية والتي كانت ولازالت رحاها تدار بين اوربا وامريكا من جهة وروسيا من جهة اخرى ، ونتيجة ابتعاد وانشغال السياسة الامريكية عن حليفتها السعودية انتهزت السعودية الفرصة للتحرر من هيمنة السياسية الامريكية التي كانت تتأرجح بين حكم الحزبين (الديمقراطي والجمهوري ) فكانت السعودية تصعد في قمة العلاقات مع امريكا في حكم الجمهوريين لتنزل في اخر السلم في حكم الديمقراطيين.
ولو رجعنا قليلا إلى حكم ( الحزب الديمقراطي ) في أمريكا لوجدنا أن العلاقات بين السعودية وأمريكا كانت بدرجات تحت الصفر المئوي، وهذه الحالة منذ حكم “كارتر” الديمقراطي إلى حكم بايدن فأصبح حكام أمريكا الديمقراطيين أكثر جفاء للعلاقات السعودية ولمن يذكر حادثة استقبال الملك سلمان في الرياض للرئيس الامريكي (الديمقراطي) الاسبق “اوباما ” عندما ذهب الملك سلمان ليصلي في مسجد المطار و ترك الاخير ينتظره عند نهاية سلم طائرته ، ليصحبه بعدها بموكب ” بروتكولي ” قد خالف فيه ، جميع البروتوكولات في استقبال رؤساء الدول والذي من خلاله اتضحت عمق الفجوة السياسية بين البلدين بينما كان استقبال السعودية للرئيس السابق ترامب “الجمهوري” عند زيارته الاولى بعد فوزه بالانتخابات الامريكية ، استقبالا استنفرت فيه السعودية كل آيات الحفاوة والتكريم وكان معد له اعداد يفوق الاستقبال “البروتوكولي ” المتعارف عليه وكان على رأس المستقبلين الملك سلمان شخصيا …، ومن كلتا الصورتين نستطيع أن نميز اتجاهات السياسة الأمريكية اتجاه السعودية وتضاربها بين الحزبين “الجمهوري والديمقراطي” ولم يتوقف عند هذا الحد بل ما عقبه من تصريحات، بايدن الرئيس الذي أعقب ترامب والذي كان من أهدافه أن يجعل السعودية دولة منبوذة، ولكن حصان السعودية “البترولي” كان هو الأكثر حظا في المطاولة وحصاد المكاسب، خاصتا بعد كرونا والحرب الأوكرانية الروسية أصبحت السعودية أكثر تحررا من قيود أمريكا وبغفلة من سياسة أمريكا تفاجأ العالم بتوقيع الاتفاق ( السعودي الإيراني) تحت المظلة الصينة ، وتوطدت العلاقات الصينية السعودية فأصبحت السعودية غير راغبة بتوطيدها مع حليفتها أمريكا أو أنها أعطتها ظهرها وتجاهلت التحالف الذي كان يربط البلدين منذ تأسيس الدولة السعودية، عند ذاك انتبهت الإدارة الأمريكية إلى خطر التقارب الصيني السعودي فكانت النتيجة أن يتخذ القرار الأمريكي بأن تعاد الحليفة “السعودية” إلى حليفتها.
وبين “إعصار” حرب الطاقة و “زلزلت” التحالفات الشرقية اتجهت أمريكا لخيار التطبيع بين السعودية والكيان الصهيوني لكسر الطوق الصيني الذي قد يحيط بمنطقة الخليج، حتى أصبحت الدبلوماسية الأمريكية تتحرك بشكل سريع لكسب الوقت أولا ومن ثم تحقيق أهدافها في احتواء الموقف السعودي لذلك فإننا لاحظنا كثافة تحركات الأمريكان والتصريحات الصهيونية بخصوص التطبيع مع إسرائيل أو ربما لا يطلق على تلك العلاقة “الهجينة” تطبيعا لكي تبقى السعودية بعيدة عن هذا المصطلح تجنبا للإحراج وقد يطلق عليه “تقريب وجهات النظر بين البلدين”، وكما صرح وزير خارجية الكيان الصهيوني مؤخرا عن المكاسب التي ستحصل عليها السعودية من تقارب وجهات النظر “التطبيع” ، أيضا صرح رئيس وزراء الكيان الصهيوني بأهمية هذه الخطوة .
وهنا يجب أن نتوقف لنبين أن إصرار أمريكا على التطبيع بين السعودية والكيان الصهيوني هو لسببين رئيسين الأول تهيأت بايدين للفوز بولاية ثانية وأظنه قد سبقه ترامب عندما جاء بمصطلح “الإبراهيمية” ليتمكن الأخير من وضع أصفاد التطبيع بأيد من طبع في إطار مصطلح الإبراهيمية، فكانت جولة ترامب خاسرة كما خسر المطبعون، وكذلك فان الهدف الأهم الذي تسعى له أمريكا من تطبيع السعودية مع الكيان الصهيوني هو السعي لعودة السعودية للتحالف مع أمريكا وكسر التحالفات (البوتينية الصينية) في المنطقة ، أما مكاسب الكيان الصهيوني من التطبيع السعودي فإننا نعلم أن السعودية هي الرمز الديني للمسلمين لوجود بيت الله ومسجد رسوله (عليه أفضل الصلاة والسلام ) في أراضيها ، هذا يعني تطبيع السعودية سيجعل التطبيع مع الصهاينة أمرا هينا عند الكثير من المسلمين وهو ربما الاعتراف الرسمي الإسلامي بدولة الكيان الصهيوني “ربما.. او هكذا يفهم .!.”.
وهنا يجب أن نسأل ماذا حصد المطبعون من تطبيعهم وماذا كسب الإبراهيميين كما يدعون من إبراهيميهم “الأمريكي الصهيوني” وماذا ستكسب السعودية من تقريب وجهات النظر( من تلك الوجهات ) والاهم من كل هذا ماذا استفاد الفلسطينيين من التطبيع ومن الوهم الابراهيمي المزعوم حتى يستفاد من تقارب وجهات النظر بين الصهاينة والسعوديين ؟! .
إذا كان التطبيع مع السعودي سيمنح الفلسطينيين حق الدولتين فهذا قمة “السذاجة” لأننا نعلم أن حل الدولتين معناه بقاء الفلسطينيين تحت وصاية الاحتلال الصهيوني وان حل الدولتين هو تسويف للقضية الفلسطينية وهو فقط للحفاظ على ماء الوجه للمطبعين وان حل الدولتين هو ليس إلا استغفال للشعب العربي وكذلك الطريق الذي سيأخذ العرب إلى تحقيق أهداف الصهاينة في التمدد من (الفرات إلى النيل) بل هو أعمق من هذا ، هو الرئة التي ستمنحها السعودية للصهاينة لتتنفس وفرض سيطرتهم في الشرق الأوسط.
لذلك فإنني أتمنى على المطبعين والإبراهيميين أن يحصو منافعهم من تطبيعهم مع الصهاينة ويقارنوا الكسب السياسي الذي حصلت عليه الصهيونية وأمريكا من جراء تطبيعهم، وأتمنى على حكام السعودية ان لا تزل قدمهم .
اللهم لا تجعلنا ممن قلت فيهم :
( ختم الله على قلوبهم وعلي أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم) .
الله المستعان.
*كاتب وباحث عراقي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

مصيبة العرب في تفكيرهم وتدبيرهم!

محمد المعموري* لا اعلم لماذا علي دائما الوم نفسي كعربي و “أُعزِي” كل ما مر …