رجب السقيري*
“أيها العرب إنها حرب إبادة لأهل غزة ، ألا تستحق قمةً عربيةً طارئة ؟”
كان هذا عنوان مقالي المنشور في هذه الصحيفة بتاريخ 14 أكتوبر 2023 ، أي قبل سبعة عشر يوماً بالتمام والكمال ، وبعد أسبوعٍ واحد فقط من بدء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة وبعد أن تبين الهدف الحقيقي للغارات الجوية المستمرة ليل نهار والتي قصفت البيوت والعمارات والأبراج السكنية وهدمتها على رؤوس العائلات الغزية من نساءٍ وأطفال وشيوخ . نشرتُ المقال أعلاه لعل الجامعة العربية تسمع هذه الصرخة من كاتب عربي آلمه أن يرى آلاف الشهداء الفلسطينيين يتساقطون في ظل استمرار الصمت العربي الرسمي المطبق ، إلا من رحم ربي .
وقد انفرجت أساريري عندما علمت أمس أن القمة العربية ستعقد أخيرا استجابةً لصرخةِ حرائر غزة الثكالى . ولكني عدت إلى ما انتابني من حزنٍ وألم عندما علمت أن القمة لن تعقد فوراً وأن موعدها قد تم تحديده مبدئياً في الحادي عشر من شهر نوڤمبر الحالي ، أي بعد عشرة أيام .
وهنا أتساءل ، ولتسمح لي جامعة الدول العربية أو ليسمح لي من حدد موعد القمة بالتساؤل : هل ثمة أمور تشغل الزعماء العرب حالياً أكثر من حرب الإبادة المستمرة ليل نهار على غزة ، والتي قضّت مضاجع الشعوب العربية كافة والشعوب الأوروبية ، بل وشعب الولايات المتحدة نفسها ، وشعوب العالم الأخرى التي خرجت في مظاهرات احتجاج من كل حدبٍ وصوب في شوارع مدن وعواصم دول العالم بما فيها عالمنا العربي تطالب بوقف المذابح التي مازالت الولايات المتحدة وحلفاؤها يسمونها “دفاعاً عن النفس” ؟
أما السؤال الثاني في هذا السياق فهو : إذا كان عدد الشهداء من المدنيين الفلسطينيين قد تجاوز حتى ساعة إعداد هذا المقال ثمانية آلاف شهيد فلسطيني أكثر من نصفهم من النساء والأطفال ، وإذا كان المعدل اليومي لشهداء الغارات الجوية الإسرائيلية متصاعداً يوماً عن يوم حيث وصل أمس إلى حوالي خمسمائة شهيد في يومٍ واحد ، فمعنى ذلك أن العدد الكلي للشهداء في صبيحة يوم انعقاد القمة بعد عشرة أيام سيكون قد ارتفع إلى ثلاثة عشر ألف شهيد وضعفي هذا العدد أو أكثر من الجرحى الذين لم تعد المستشفيات تستوعبهم ، بل أن بعض مستشفيات غزة قد توقفت عن العمل بسبب عدم وجود الوقود اللازم لتوليد الكهرباء ، هذا بالإضافة إلى نفاذ الأدوية والأغذية وانقطاع الماء والكهرباء ، علماً بأن أكثر من مليون شخص في غزة قد أصبحوا بلا مأوى .
ما هو المطلوب من القمة الطارئة
لا أريد أن أخوض أكثر في تفاصيل المآسي الإنسانية في قطاع غزة ، علماً بأنه من المؤكد أن تلك المآسي ستزداد سوءاً في الأيام العشرة القادمة إلى أن تنعقد القمة العربية الطارئة وذلك بسبب إصرار إسرائيل على استمرار المجازر ضد السكان الفلسطينيين في غزة والتي لا مبرر لها سوى الانتقام والعقوبة الجماعية والإبادة والتطهير العرقي وكل هذه تعتبر في القانون الدولي الإنساني جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية .
ما يهم كل عربي من القمة ، عدا عن ممارسة الضغوط على إسرائيل للوقف الفوري لإطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع تنفيذاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي صدر يوم الجمعة الماضي ، المطلوب هو صدور بيان قوي عن القمة العربية بالإجماع يرفض رفضاً قاطعاً تهجير أهالي غزة إلى سيناء أو إلى أي مكانٍ آخر خارج فلسطين . إذ يبدو أن الولايات المتحدة ما زالت تحاول بكل السبل إقناع مصر وبعض الدول العربية الأخرى التي رفضت مبدأ التهجير بقبوله بحجة أن التهجير سيكون مؤقتاً .
كذلك فقد رشحت أنباء نشرت في وسائل الإعلام عن اتصالاتٍ يجريها نتنياهو مع زعماء الدول الدائنة لمصر كي تقوم تلك الدول بإعفاء مصر من الديون الخارجية التي تثقل كاهلها في مقابل موافقة القاهرة على تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء . إضافة إلى ذلك فقد نشر الناشط الأردني الدكتور معن القطامين صورة عن طلب التمويل الذي تقدم به الرئيس بايدن بتاريخ 20 أكتوبر إلى الكونغرس لتخصيص أموال بالمليارات “لمساعدة المهجرين من غزة خارج قطاع غزة” ، الأمر الذي يدل على أن النية مبيتة لدى واشنطن بتحقيق ما تسعى إليه إسرائيل والمتمثل بإخلاء قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين ثم الانتقال إلى المرحلة التالية التي قد تكون ضم القطاع إلى إسرائيل وجلب مستوطنين يهود للسكن فيه ، أما الفلسطينيين الذين تريد إسرائيل تهجيرهم بدعمٍ من واشنطن فلن يسمح لأي منهم بالعودة إلى قطاع غزة .
السيناريو الذي تسعى إسرائيل لإخراجه إلى حيز التنفيذ لن يتحقق بفضل صمود أهالي غزة ورفضهم القاطع لمغادرة بلادهم مهما كانت نتيجة الحرب ، إضافة طبعاً إلى رفض جميع الدول العربية التي حاول وزير الخارجية الأمريكي بلينكين ، وما زال يحاول ، إقناعها بقبول هذا السيناريو ، فالمطلوب من القمة العربية دعم مصر ودعم الأردن بكل قوة للبقاء على موقفها الرافض للتهجير مهما بلغت الضغوط التي تمارس عليها أو المغريات التي تقدم لها .
ثمة أسباب أخرى طبعاً تجعل رفض التهجير مصلحةً عربية قومية لعل أهم هذه الأسباب أن السيناريو نفسه الذي طبقته إسرائيل عام 1948 إذا نجح في غزة ، لا سمح الله ، ستقوم إسرائيل بتكراره في الضفة الغربية وتهجر سكانها الفلسطينيين إلى الأردن ، وليس من المستبعد أيضاً أن تمضي إسرائيل ، إذا لم تجد من يردعها ، في سياسة التطهير العرقي وتعمل على تهجير الفلسطينيين داخل الخط الأخضر إلى خارج فلسطين المحتلة تنفيذاً لنظرية اليمين الإسرائيلي بتحويل إسرائيل إلى دولة يهودية خالصة من النهر إلى البحر ، بل قد يمتد طموحها لاحقاً إلى إقامة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل كما يحلم بذلك غلاة المتطرفين المتدينين من أمثال بن غفير وسموتريتش وغيرهم كثيرون .
بقي أن نقول أن الصمت العربي لم يعد مقبولاً إطلاقاً خاصةً بعد أن علمنا أن دولةً في أمريكا الجنوبية هي بوليڤيا قد قررت قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل بسبب حرب الإبادة التي تقوم بها الأخيرة ضد الفلسطينيين في غزة ، وأن كلاً من تشيلي وكولومبيا قد قررتا استدعاء سفيريهما من إسرائيل لنفس السبب . لذلك نأمل من القمة العربية اتخاذ إجراءات رادعة لا تقل عما فعلته دول أمريكا الجنوبية المذكورة .
بناءً على ما تقدم نأمل أن تدرك القمة العربية الطارئة المزمع عقدها في الرياض بعد عشرة أيام الخطر الداهم ليس على مصير القضية الفلسطينية فحسب بل على الأمة العربية جمعاء وبالذات على الأمن القومي العربي ، ولكي لا يقول أحدٌ فيما بعد “أُ كلت يوم أُكل الثور الأبيض”.
*كاتب عراقي ودبلوماسي سابق
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر