الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / هل الصين معنية بالحرب القادمة على طهران؟

هل الصين معنية بالحرب القادمة على طهران؟

د. ادريس هاني*
كعادته، يضعنا الباحث والصحفي الفرنسي المميز تيري ميسان أمام حقيقة ما يخفيه الاستعراض الأخير للقوة من قبل الرئيس دونالد ترامب، وهو ما يسبق إعلانا متوقعا بتفكك الولايات المتحدة الأمريكية في نظره. وعلى الرغم من أنني أحتاط من اعتماد القياس غير الاقتراني في الوقائع التاريخية والسياسية، إلا أن ما يميز تيري ميسان هو عمق المشاهدة والاستحضار. فهو يحصي كل الإجراءات التي اتبعها ترامب لتعزيز صورة الولايات المتحدة كقوة مطلقة وفريدة عالميا، من خلال إمضاء قرار تنفيدي بتغيير إسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، ووضع إجراءات تحفيزية للجنود، والرفع من ميزانية الدفاع، واقتباس مشروع حرب النجوم الذي دشنت رونالد ريغان في ثمانينيات القرن الماضي، لكن هذه المرة في إطار مشروع القبة الذهبية، الخ. غير أن تراكم ديون الولايات المتحدة، التي لن تخفف منها جملة العطايا والوعد بالاستثمارات غير الكافية لتحرير الولايات المتحدة من أزمتها المالية، ما يجعلها عاجزة عن تحقيق ما يلوح به ترامب في هذا الاستعراض الحربي. هنا يبدو حسب تيري ميسان أن ترامب يحدو حدو غورباتشوف عندما حل حلف وارسو كمقدمة سبقت إعلانه عن تفكيك الاتحاد السوفياتي، وهذا ما أدى إلى تلويح ترامب بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي كمقدمة للإعلان عن تفكيك الولايات المتحدة حسب ميسان.
بعض من هذه الإشارات جدير بأخذه بعين الاعتبار. هناك شيء غير طبيعي يجري اليوم على قدم وساق في اكثر من اتجاه. فالتلويح باحتلال غرينلاند وتجاوز كل الأعراف الغربية الأطلسية، يعيدنا إلى تساؤل سابق لهنتنغتون، حول أخطاء أوربا بتماديها في عقد صفقات مباشرة مع الصين، هذا التعاون في نظر صاحب “صدام الحضارات” يضر بالحلف الغربي. ويبدو أن ترامب وتحت تأثير هذه الرؤية، ينتقم من الحليف الغربي ويبني قبته الذهبية لحماية القارة الأمريكية فقط. وهو إذ يمضي في حركته الاستعراضية يخفي مخطط ترتيبات إعادة تموضعه في حدود الولايات المتحدة الطبيعية، بالإضافة إلى عمقها الاستراتيجي الجنوبي إحياء وتطبيقا لمبدأ مونرو، وحده الإجراء الذي يفسر إقدام ترامب على غزة كراكاس واختطاف مادورو.
إن تأبين هيئة الأمم المتحدة في جنح الليل امعانا في إخفاء جثتها الهامدة، يكشف عن مفارقة غريبة. فترامب غير العابيء بقراراتها يدرك أن إحدى أهم أسباب إعاقتها هي العراقيل الأمريكية المنهجية.تدرك واشنطن اليوم أن معركتها الكبرى مع الصين وإلى حد ما مع روسيا، تقتضي إعلان نهاية زمن التوازنات الكلاسيكية للحرب الباردة، بل لا مجال بعد اليوم لتقاسم سلطة الفيتو داخل مجلس الأمن.
والحقيقة أن الحديث عن تفكيك الولايات المتحدة كما ذهب ميسان وهي تمنيات الكثير من المحللين، فكرة سابقة لزمانها، فظروف تأسيس الولايات المتحدة غير ظروف تشكل الاتحاد السوفياتي، لذا هو حكم استعجالي على الرغم من تصاعد الاحتجاجات وحالة التدمر القصوى من قرارات ترامب الذي تشهده بعض الولايات الأمريكية، ذلك في غياب قوة موضوعية منافسة، ما عدا مناورات الصين.
لكن هناك ما يؤكد على أن العمل جاري على تعزيز الجبهة الداخلية ونهاية حلف الناتو، لتبدأ مرحلة جديدة من خلط الأوراق وتغيير التحالفات وتعزيز الجبهة الداخلية. وحيث إن الولايات المتحدة عاجزة عن إعلان حرب عسكرية كلاسيكية على الصين، فهي أمام صمت الصين، تعبر عن حالة اضطراب عارمة. ولازالت ماضية في مناوراتها، إذ لم تغير من سلوكها كما لم تتراجع عن تقدمها الممنهج في احتواء العالم تجاريا، واعداداتها العسكرية.
وتدخل هذه الوضعية الاستعراضية في الشرق الأوسط من ناحية أخرى في إطار الهيمنة على المناطق الحيوية وهدم جسور العلاقات التجارية النشطة ما بين الصين والشرق الأوسط وعموم غرب آسيا. يتطلع ترامب إلى السيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية، للتمكن من منع واحتجاز السفن الصينية والروسية كما فعل في البحر الكاريبي. يريد خنق الصين في منطقة غرب آسيا بعد أن نجح في خنقها في أمريكا اللاتينية. لذلك يسعى لتقويض القرار السيادي الإيراني، بوصفه عائقا جيوستراتيجيا، وهو ما تكشف عنه أرقام ومنحنيات التعاون التجاري بين طهران وبكين.
تبدو المعركة ضد الصين صامتة غير معلنة، لكن آثارها تبدو واضحة حتى في حالة التحشيد الجنوني اليوم ضد إيران. من هنا، فهي حرب إن وقعت، تفرض على الصين دورا استراتيجيا مختلفا، بتعبير آخر، على الصين أن تحسم معركتها هناك، في حرب واشنطن على طهران. من هنا يبدو أن استمرار علاقات نوعية بين الصين والاحتلال، لم تعد تنفعها في حربها مع واشنطن. فهذا التمكين هو ما سمح للاحتلال أن يتسع ويتقدم للسيطرة على منطقة تبدو عارية منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. وهذا على المدى المتوسط سيكون عقبة أمام الصين نفسها. فالصين تحسن الصمت، والروية، ولكنها لا تحسن خلط الأوراق، لأن لعبة الورق هي لعبة غربية بامتياز. فالحرب التي تبدو قادمة، هي ليست على طهران وحدها، بل هي حرب على على غرب آسيا وشرقها وشمالها وجنوبها، وعلى أوربا نفسها. هي اختبار حقيقي لإرادة الأقطاب الكبرى، فلن يكون لمجلس الأمن دور في تدبير هذه الأزمة، وبالتالي لن تجد الصين وروسيا فرصة للاعتراض عبر الآلية الكلاسيكية: الفيتو، وإذن، ما العمل؟ ليس أمام القطبين إن كانا كذلك بالفعل، إلا أن يقولا كفى، وذلك بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، وتحريك الأعماق الجيوستراتيجية. هل يا ترى نحن إزاء ما سماه روبرت كابلان بثأر الجغرافيا؟ غير أن المؤشرات تدل على أن المخاطرة بحرب كلاسيكية في منطقة مأهولة كالشرق الأوسط ، وحساسة نظرا لتعقيدها الجيوسياسي، لن يكون نزهة، بل هي مخاطرة يصعب هضمها حتى الآن، حيث الأيام القادمة ستكون حافلة بغرائب الوقائع والسياسات.
*كاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

مجالس “ترامب” العبثية!

عبدالحليم قنديل* “أنا الدولة والدولة أنا”ـ عبارة رنانة اختلف المؤرخون القدامى والجدد على مدى صحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *