الجمعة , يناير 30 2026
الرئيسية / اراء / سياسة الاحتواء!

سياسة الاحتواء!

فاطمة الصياحي*
حققت العلاقات الدبلوماسية، التي استؤنفت بعد اتفاق بكين بين إيران والسعودية، تقدما كبيرا في الأيام الماضية. زيارة وفد عسكري سعودي إلى طهران ومشاركة إيران في قمة الرياض والاتصالات الأخيرة بين قادة البلدين، أعطت للخبراء الأمل في فتح مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية. ويرى العديد من المراقبين أن فوز دونالد ترامب، المرشح الجمهوري في الانتخابات الأمريكية، لم يبطئ عملية التقارب بين إيران والسعودية فحسب، بل زاد من سرعتها. بالطريقة التي فقد بها ترامب أهم ورقته الرابحة للضغط على دول المنطقة.
وهو ما أثار الآمال بحدوث تحول سياسي كبير في الشرق الأوسط والأهم من ذلك أنه أنهى التحليل حول عودة سياسة الضغط التي يمارسها ترامب على إيران والدول العربية. في الواقع، فإن المرحلة الثانية من سياسة الضغط القصوى لا تستهدف إيران فقط، وسيكون أحد أبعادها هو ضغط البيت الأبيض على السعودية للتطبيع مع إسرائيل والاصطفاف ضد إيران. لكن المنطقة وقواها العظمى تعلمت الكثير من الدروس خلال السنوات الماضية؛ هذه التجربة على مدى 4 سنوات وفي غياب ترامب، وضعتهم على الطريق الصحيح والجديد وهو ما يمكن أن نطلق عليه «سياسة الاحتواء».
إن سياسة الاحتواء، التي نعتبرها أكثر شمولية، كانت تعمل دائماً بين التهدئة والانسحاب. وبعبارة أخرى فإن إيران والمملكة العربية السعودية رغم قبولهما للاختلافات وفهم كل منهما لأهداف الأخرى، تحاولان في هذه المرحلة احتواء الصراعات وحلها فيما بينهما. وأظهرت التجربة المريرة للحروب بالوكالة التي دامت عقداً من الزمن أن السلام والتقارب هو السبيل الأقل تكلفة لتحقيق التقدم بين البلدين. لذلك، تحاول طهران والرياض الآن خفض التصعيد واستقرار العلاقات الودية، فهما تنأیان بنفسيهما عن الصراعات وتجدان تدريجياً المزيد من حالات المصالح المشتركة بينهما.
وكان التفاهم الكبير الذي توصلت إليه الدولتان بعد فترة المنافسة والمواجهة هو أن كلاً منهما قادرة على متابعة مسار التنمية المنشود، على الرغم من احترام كل منهما لمناطق نفوذ الآخر ومصادر القوة. لا شك أن السعودية تلعب دور قيادة العالم العربي؛ كما أن لإيران جماهير بين السكان الشيعة في المنطقة. إن العقلانية الجديدة التي نشأت بين البلدين تقبل مجالات النفوذ هذه وتأمل في القضاء على أي تهديد من الجانب الآخر بدفء العلاقات الودية. في الواقع، لم تكن لدى إيران والمملكة العربية السعودية مشاكل حادة قبل العقد الماضي، ولا يذكر في الذاكرة السياسية نشوب نزاع أو حرب بين الدولتين.
ولهذا السبب تتحدث النخب السياسية في المملكة العربية السعودية وشخصياتها الأكاديمية أحيانًا في وسائل الإعلام المحلية عن ضرورة تعزيز العلاقات الثقافية والاقتصادية بين البلدين. إذ يدرك الخبراء الإيرانيون الآثار الإيجابية للتقارب ويعتبرون تعزيز العلاقات مع السعودية أولوية إقليمية. والحقيقة هي أن تنسيق الجهود السياسية والشراكة الاقتصادية سيُخرجان إيران من المواقف الصعبة ويوفران الأمن الاقتصادي وحرية العمل للمملكة العربية السعودية في مشاريع المهمة. وما إن استمر هذا الاتجاه الإيجابي، فإن المنطقة برمتها ستدرك قريبا الفوائد الكبيرة للتقارب وستنخفض عناصر التوتر.
والنقطة الأخيرة المهمة هي أن بلداننا أصبحت على يقين من أن السلام ليس مستورداً؛ بل هو إنتاج مشترك للعقلانية والإرادات الجديدة.
خلال الفترة الأولى من رئاسته، أخذ ترامب الكثير من الفديات من خلال تعميق الخلافات الإقليمية وتحويل إيران إلى العدو الأول للدول العربية؛ ومن خلال التقدم في اتفاقيات إبراهيم، وضع الحكومات الإقليمية ضد إرادة دولها في دعم القضية الفلسطينية. وبعدها لقد أظهر إيران ضد هذه الدول وزرع بذور الحرب.. باختصار، لقد هيأ الشرق الأوسط للعبة الإسرائيلية. لكن العقلانية الجديدة سلكت طريقا صحيحا لمعالجة أخطاء الماضي، وبوسعها أن تكون قادرة على مفاجئة العالم بشرق أوسط جديد.
*باحثة في العلاقات الدولية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …