الأحد , مارس 15 2026
الرئيسية / اراء / الصفقة الإبراهيمية.. مشروع الهيمنة الصهيوأمريكية!

الصفقة الإبراهيمية.. مشروع الهيمنة الصهيوأمريكية!

ميشيل شحادة*
يسعى الرئيس ترامب في رؤيته لـ “الشرق الأوسط” إلى إتمام “الصفقة الإبراهيمية”، حيث يعدّ التطبيع مع السعودية مفتاحاً لتوسيع التطبيعات عربياً وإسلامياً وفقاً للشروط الصهيوأمريكية. الهدف ليس مجرد علاقات طبيعية مع “إسرائيل”، بل إعادة تشكيل النظام الإقليمي بالكامل. تهدف الخطة الامريكية إلى جعل “إسرائيل الكبرى” في قمة نظام جديد يتجاوز سايكس-بيكو، عبر تفكيك المنطقة إلى كيانات مذهبية وإثنية ضعيفة ومتضاربة اكثر. يضمن ذلك استمرار الهيمنة الأمريكية، مع اضطلاع الكيان الصهيوني بدور الوكيل المباشر، بينما تظل الشعوب العربية عاجزة عن مقاومة هذا الاستعمار الجديد بسبب التجزئة المنهجية المتزايدة.
يعتمد دونالد ترامب على تكتيك “إغراق الساحة”، الذي طوره مستشاره السابق ستيف بانون، كأسلوب لإرباك المشهد السياسي والإعلامي عبر سيل من التصريحات العاصفة، والمعلومات المضللة، والتحركات المثيرة. هذه الاستراتيجية تجعله يهيمن على الإيقاع السياسي، بينما ينشغل خصومه الخارجين والداخليين، في محاولة تفكيك الفوضى التي يخلقها بشكل مستمر، مما يضعهم في موقف رد الفعل بدلاً من المبادرة.
يتبع ترامب في ذلك أساليب متعددة، منها القصف المتواصل بالأوامر التنفيذية، وتصعيد الأزمات، وخلق نقاشات جانبية تحيد التركيز عن القضايا الأساسية، مع توظيف الإعلام البديل ومنصات التواصل الاجتماعي لنشر سرديات مضللة يصعب مواجهتها. هذا التكتيك ليس مجرد عشوائية، بل هو سلاح سياسي يهدف إلى خلق بيئة غير مستقرة لا تتيح لخصومه فرصة التجمع أو بناء استراتيجيات مضادة فعالة.

في ولايته الثانية، صعّد ترامب من استخدام هذا التكتيك، حيث أصبحت الفوضى الإعلامية والسياسية أكثر حدة، إذ أطلق قرارات متناقضة خلال أيام، وأثار جدلاً دولياً، كما فعل في قضية تهجير الفلسطينيين من غزة، محولاً كل أزمة إلى معركة إعلامية واستقطابية تبعد الأنظار عن تحركاته الحقيقية. هذه الفوضى المدروسة تحقق له مكاسب سياسية دون مساءلة حقيقية، كما تبقي قاعدته الشعبية في حالة تعبئة دائمة ضد ما يصفه بـ “النخب الفاسدة”، بينما يتراجع الإعلام التقليدي أمام سرعة نشر المعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
مشروع “ريفيرا الشرق”: تهجير الفلسطينيين كورقة مساومة
في سياق هذا التكتيك، جاءت تصريحاته حول تهجير الفلسطينيين من غزة الى مصر والاردن والاستيلاء على القطاع وتحويله إلى “ريفيرا الشرق”، وهو تصور يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، تطهير عرقي بغطاء اقتصادي زائف. لكن الهدف الحقيقي لم يكن تنفيذ هذا المخطط مباشرة، بل استخدامه كورقة ضغط في المفاوضات مع السعودية، التي وضعت شرطاً للتطبيع يتمثل في إقامة دولة فلسطينية.
يريد ترامب مقايضة السعودية: التخلي عن مخطط التهجير مقابل تطبيع كامل مع “إسرائيل” دون الحاجة إلى دولة فلسطينية، مع إبقاء سكان غزة تحت وضعية قانونية مشوهة تمنعهم من ممارسة أي سيادة فعلية، مقابل ترتيبات تقضي بإقصاء حماس عن الحكم. بهذا الشكل، يكون ترامب قد أنجز أكبر خطوة في تصفية القضية الفلسطينية من معادلة “الشرق الأوسط الجديد.”
ترامب بين الوهم والواقع: تجاهل الحقائق وردود الفعل الغاضبة
إلا أن ما يتجاهله ترامب – أو يتعمد عدم رؤيته – هو أن تصريحه هذا قوبل بموجة غير مسبوقة من الرفض العربي والدولي. فسرعة الردود من مصر والسعودية والأردن، وحجم التأييد الشعبي لهذه المواقف، أظهرت بوضوح أن تهجير الفلسطينيين ليس خياراً مطروحاً، وأنه حتى حلفاء واشنطن التقليديين لم يعودوا قادرين على التسليم بهذه المخططات بسهولة.
بل إن الموقف الأوروبي، بما فيه الاتحاد الأوروبي، جاء رافضاً أيضاً لهذه الفكرة. ومع ذلك، لا يزال ترامب يكرر، دون تردد: “الجميع يحب مقترحي ويرحبون به بحرارة”. وهو بهذا يؤكد انفصاله عن الواقع السياسي، وعيشه في عالم من الأوهام، حيث يعتقد أن الفلسطينيين سيقبلون التهجير طوعاً، عندما “يرون ما أعددته لهم من أماكن إقامة فاخرة! “
ترابط الداخل والخارج في استراتيجية ترامب: بناء دولته العميقة الجديدة
تصريحات ترامب وقراراته التنفيذية ليست منفصلة، بل هي أدوات مترابطة ضمن استراتيجيته لإعادة تشكيل موازين القوى داخلياً وخارجياً. يدرك ترامب أن العالم متشابك بشكل غير مسبوق، وهو درس تعلمه من صراعه الطويل مع الدولة العميقة الأمريكية، ما جعله بارعاً في توظيف القضايا المحلية كورقة ضغط في السياسة الخارجية، والعكس بالعكس.
على الصعيد الداخلي، يخوض ترامب معركة لإعادة تشكيل الدولة العميقة لصالحه، عبر تفكيك نفوذ خصومه التقليديين في الحزب الديمقراطي، والمؤسسات الأمنية والعسكرية، ولوبي الشركات المرتبطة بالعولمة. لكنه لا يكتفي بذلك، بل يسعى إلى بناء دولة عميقة خاصة به، قائمة على تحالفات جديدة، أبرزها مع شركات التكنولوجيا الكبرى، بقيادة إيلون ماسك، الذي أصبح أحد أذرعه الأساسية. هذا التحالف يتجاوز التأثير الإعلامي، ليعيد تشكيل النفوذ الأمريكي عبر السيطرة على المعلومات وتوجيه الرأي العام. ومن أبرز ضرباته في هذا الصراع تفكيك أدوات القوة الناعمة التقليدية مثل “الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية”، ما وضع خصومه في موقف دفاعي. ومع ذلك، لا تزال الدولة العميقة التقليدية، بقيادة المجمع العسكري الصناعي، تمتلك أدوات مقاومة ستعمل بها على إعاقة مشروعه لإعادة هيكلة السلطة الأمريكية.
أوراق الضغط الترامبية على الدول العربية: تأثير محدود
على الصعيد الخارجي، يتصرف ترمب العنصري والنرجسي كإمبراطور أو سلطان، يرى العالم تحت سلطته، ويتحدث مع قادة الدول بلهجة آمرة وصلف. لذا يهدد بقطع المساعدات عن مصر والأردن لتحقيق مبتغاه. لكن هذه الورقة تبدو ضعيفة التأثير من الناحية الاقتصادية، حيث تستطيع السعودية والدول الخليجية تعويض أي نقص بسهولة. التحدي الحقيقي يتمثل في الاعتماد العسكري المصري على الصيانة وقطع الغيار الأمريكية، لكن مع سياسة التنويع التي تبنتها القاهرة، والتي شملت أنظمة واسلحة من فرنسا، والصين، وبريطانيا، وروسيا، أصبح هذا التحدي أقل تهديداً اذا توفرت الإرادة السياسية في المواجهة.
يبدو أن الجانب العربي أوكل لمصر مواجهة خطط ترامب وإعادة إعمار غزة، نظراً لقربها الجغرافي ولعلاقتها التاريخية مع القطاع. وقد التزمت مصر بطرح تصور متكامل، لإعمار قطاع غزة خلال ثلاث إلى خمس سنوات، يضمن بقاء الفلسطينيين في أرضهم، خلافاً للمدد المبالغ فيها من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
برز موقف عربي موحد، تقوده السعودية ومصر والأردن، في رفض قاطع لمخططات ترامب لتهجير الفلسطينيين من غزة. ورغم لقاء الملك الأردني بترامب في واشنطن، ظل التوتر واضحاً في تصريحاتهما ولغة الجسد، مما يعكس عمق الخلاف. أما زيارة السيسي، التي تأجلت إلى أجل غير معلوم، فقد تكون نتائجها، إن تمت، مفصلية في تحديد مسار الصراع بين المحور الصهيوأمريكي والطرف العربي، ولمن ستكون الغلبة في معركة الإرادات حول غزة.
لا يمكن التقليل من خطورة مشروع ترامب، فهو ليس مجرد تصريحات، بل خطة مدروسة لإعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الصهيوأمريكية. إن تُرك المشهد دون مواجهة سيهدد القضية الفلسطينية وموازين القوى في “الشرق الأوسط.” لذا، المواجهة يجب أن تتجاوز الاستنكار إلى تحرك عربي شامل عبر جميع الوسائل: المقاومة الميدانية، والتحركات السياسية والدبلوماسية، والضغوط الاقتصادية والقانونية. حتى الآن، الدول العربية اليوم تتحصن سياسياً، لكن إن بدأ ترامب بتنفيذ مشروعه، فالرد الوحيد هو التصعيد الاستراتيجي المباشر، لفرض إرادة عربية تجهض مخططاته قبل أن تتحول إلى واقع.
المقاومة الفلسطينية: العامل الحاسم في المعادلة
لكن العامل الأهم في هذه المعادلة يبقى الموقف الفلسطيني ذاته. فعلى الرغم من الحصار والمجازر والضغوط، فشلت جميع المحاولات السابقة لفرض التهجير، سواء خلال معركة طوفان الأقصى أو حملات الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال في غزة والضفة الغربية. لقد فرضت المقاومة الفلسطينية بصلابتها، والشعب الفلسطيني بصموده الأسطوري، معادلات جديدة، وأكدت أن لا قوة على الأرض قادرة على تهجير الفلسطينيين بالقوة، مهما بلغ حجم الدعم الأمريكي والصهيوني لهذا المخطط.
اذا كانت المقاومة الفلسطينية، رغم حصارها وإمكاناتها المحدودة، قد استطاعت إفشال مخططات العدو وكسر هيبته العسكرية، فماذا سيحدث إذا توحد الفلسطينيون جميعاً خلف قيادة وطنية مقاومة، تُسقط أوهام التصفية والتطبيع، وتعيد صياغة مشروع التحرير على أسس القوة والوحدة؟ هذه هي المعادلة الكاسرة للتوازن، التي تجعل من فلسطين ساحةً لانتفاضة لا تنطفئ، وتجعل من الاحتلال مشروعاً إلى زوال، عاجلًا أم آجلًا.
قد يحاول ترامب أن يرسم ملامح “نظامه الإقليمي الجديد”، وقد يظن أن صفقاته ومؤامراته يمكن أن تعيد صياغة “الشرق الأوسط” على مقاس الهيمنة الصهيوأمريكية، لكن التاريخ لم يكن يوماً إلى جانب الطغاة والمستعمرين. وحين تقرر الشعوب كسر القيد، وإشعال شرارة الحرية، لا يمكن لقوة في الأرض أن توقف زحفها نحو النصر. اليوم، الكلمة الأخيرة ليست في واشنطن ولا في تل أبيب، بل في ميادين غزة، وأزقة الضفة، ومخيمات الشتات، حيث يصوغ الفلسطينيون مستقبلهم بدمائهم وصمودهم، ويكتبون بوضوح: فلسطين لا تُصفى، والحق لا يسقط، والمقاومة باقية حتى التحرير.
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

مأزق الحرب على إيران!

د. هاني الروسان* من بين التداعيات العديدة التي أخذت تتكشف تدريجيًا مع استمرار الحرب الأمريكية-الإسرائيلية …