الخميس , مارس 19 2026
الرئيسية / اراء / زمن اللانصر واللاهزيمة!

زمن اللانصر واللاهزيمة!

علي الزعتري*
نحن بين مرحلتين كانت الحرب الفاصلَ بينهما. المرحلةَ الأولى شهدت زهوَ محور المقاومة و الثانية هي تراجعهُ، مهما قيلَ عن انتصارهِ في الحرب أو، أنهُ إن لم يكن انتصاراً فهو ليس هزيمةً لذل فهو إذاً انتصارٌ. لكنها فعلاً حالةً رماديةً لا تُقنعُ.
ما لا يُقنعُنا أنه النصرَ كما نريد هي الخسارة الهائلة في فلسطين، في غزة وفي طولكرم وجنين، و في العاصمة بيروت والجنوب اللبناني وفي اليمن كذلك الأمر. الخسارة البشرية والمادية التي تتخطى مجرد فخر الموت استشهاداً، وتصلُ للتشريد مع عذابهِ في كل دقيقةٍ من الحياة و تمتدُ لمنع العودة وتستقيحُ بالسيطرة الصهيونية وسياسات أمريكا المعلنة وهذا العالم الغائب عن واقع الصهيونية الإجرامي أو الحاضر الذي لا يُزيل الاحتلال. الخسارة في قدرة المقاومة لجمَ ووقفَ العمليات الصهيونية قبل وخلال وبعد الحرب لاغتيال القادة واحداً تلو الآخر بذكاءٍ وتخطيطٍ يقولُ أن لهم آحاداً عملاء في الصفوف القريبة منهم. الخسارة هي فرط عقد المحور عندما تولت المعارضة في سوريا الحكم و اتخذت موقفين أولهما عدم مواجهة الصهيوني في استباحته التدميرية الممنهجة للقدرة السورية العسكرية و في احتلال الأراضي السورية بسهولةٍ من دون معارضة، والثاني في الانسحاب من توفير الدعم للمحور، بل ومعاداتهِ استناداً لما تقول أنه كان عدواً طائفياً وذابحاً للسُنَّةِ في سوريا غَذَّتهُ إيران ونفذه حزب الله والمجموعات العراقية والأفغانية الشيعية التي كانت منتشرةً في سوريا مع قوات الحكم السابق. هذا القول يلاقي عند السوريين، بالتوازي مع شعورهم المنطقي بكراهيةٍ للفساد و التسلط المستشريين من الحكم السابق، القبول والمؤازرة مما يعني أن الحاضنة السورية الرسمية للمحور، على الأقل في شكله المدعوم إيرانياً، قد انتهت وانتهت معها وسيلة إمدادٍ مهمة، وأن الشعب السوري الذي عانى من الحروب والحصار وتشبعت مشاعرهُ بُغضاً من سطوةِ الحكم السابق يبحث عن الاستقرار ولو جاء عن طريق الشيطان أو الملائكة. ولهذا تختفي من سوريا مشاهد الانتصار إلا في الخلاص من العائلة الحاكمة ولا تبدو عبارات ومشاهد الانتصار في غزة والجنوب اللبناني مقنعةً حتى مع عملية تبادل الأَسرى بكل رموزها، فما تعطيه الصهيونية باليمين تأخذه بالشمال أَسرى جُدُدْ و شهداء ودماراً لا مثيل له ووعوداً واستعداداً بالعودةِ للحرب والجحيم الذي يتوعد به الرئيس الأمريكي. وإن كانت المساعدات الإنسانية تصل للقطاع تحت السيطرة الصهيونية على كل المعابر وأنها باعتراف الجهات الدولية نقطةٌ في بحر فإن إعادة الإعمار هي في حد ذاتها معضلةٌ إنشائيةٌ سُكانيةٌ وماليةٌ زادها تعقيداً مقترح التهجير و غيره من مقترحاتٍ تبحث عن الشهرة وبناء الأمجاد الغابرة، عدا عن كونها للبعض المحلي والإقليمي والدولي فرصةً للثراء. ويزيدها استحالةً في العودةِ لما كانت عليه غزة قبل الحرب، وهي لم تكن “ريفييرا” بالمناسبة، تلك القدرةُ الصهيونية المتأهبةَ لِشَلِّ أي إعمارٍ متى ما قرَّرَتْ ذلك. نعم، ظهر المقاتلون الفلسطينيون في عمليات تبادل الأَسرى بالمظهر المنضبط والقوي لكن لا أحد عاقلاً يتوقع انهيار المقاومة بكل أفرادها أو قدراتهم العسكرية الخفيفة والمتوسطة أو غياب ذكاء المقاوم، غير أن هذا الظهور، وهو يعزز الحماسة والأمل بدون شك، لا يعني أنه نصرٌ قادرٌ على فرض إرادته خاصةً عند انتهاء عملية التبادل وخلو اليد الفلسطينية من الأسرى الصهاينة. والحالُ في الجنوب اللبناني ليس أفضل فالصهيونية لا تريد الانسحاب و تخلق أرضاً فارغةً بنسف المنازل وتمنع عودة المواطنين بالنار وتقيم دُشم المراقبة والسيطرة و تُطَيِّرُ طيرانها بأنواعهِ فوق لبنان وتمنع من تريد من طيرانٍ مدنيٍّ تعتبره معادٍ لها الوصول لبيروت وتقصف وتغتال حين وأين تريد فيما قدرة الدفاع اللبنانية الرسمية والحزبية ملجومةٌ باختيارها، لسببٍ عسكري هو في فقدان فاعليته مقابل آلةِ حربٍ صهيونيةٍ متجددةٍ بالدعم الأمريكي وباللجوء للدولة وشرعية حقها في التحرير و إيمانها بوساطة الوسطاء المنحازين بلا شك للصهيونية، وفيما يبدو أن السياسي اللبناني المُتوافَقُ عليه يختار بإمعانٍ وتصميم تحييد عنصر المقاومة وتفعيل دورةَ المصالح مع دولٍ لا تريد في لبنان جهةً تنازعها النفوذ.
كما لا تبدو إيران في أحسن حالاتها فهناك حالةٌ من القطبيةِ بين رئيسٍ إصلاحي مترددٍ في إظهارِ مساندتهِ لمبدأ المقاومة غير المعنيِّ ببلاده حصراً و زعيمٍ روحيٍّ لا يتردد في الوعد باستمرار المدد وكأنها مثلما يقولون توزيع أدوارٍ بين رافضٍ ومُواسٍ. وأرى الالتجاء الفلسطيني لإيران مرةً ثانيةً نوعاً من اللجوء إلى اليأس. اليأس من تغيير الموقف العربي لدعم المقاومة، وأملاً، قد يكون في غير محله، في إيرانٍ تبعثرت أوراقها في سوريا و تتناوشها في لبنان قوىً تستطيع منع نفوذها الداعم للحزب ولا تريد بالتأكيد حرباً في أرضها. من المؤسف أن لا تلقى المقاومة الفلسطينية ترحاباً عربياً والدعم العسكري والمالي الذي تستحقه من العرب وأن تجد نفسها مُرغمةً اللجوء لإيران. والمؤسف انبعاث دعواتٍ عربية لتتنازل المقاومة وتخرج من غزة. لهذا، ليست المقاومة في حالٍ حسنٍ وهذا يستوجب إعادةَ التفكير في الاختيارات الاستراتيجية لها، بدءاً من عنوانها. فهي لم تكن محوراً بل تركيباً غير متناسقٍ بين مكوناته التي غزاها في جوانبٍ عديدة التردد والفساد والطائفية والاختراق الصهيوني في ذات الوقت الذي كان فيه المقاوم المؤمن يؤدي دوره البطولي مؤمناً بالنصر واثقاً من قياداته وآليات تعاملاتها ومستأمناً لحلفائه فإذا به يراهم يُغتالون في لمحِ البصر والعزاء أنهم استشهدوا مقاتلين لا مستسلمين.

هنا يدخل عامل الزمن الحالي فليس هو إلا زمانَ خروجٍ من حربٍ بخسائرٍ جسيمةٍ ومحاولة استعادة التوازن عبر التفاوض لإطلاق الأسرى واستظهار علامات القوة والنصر، فهل ينتهي التوازن عند انتهاء التبادل؟ ثم سيأتي زمنٌ متوسط المدى هو نظرياً للتخطيط للقادم ومواجهة الخطر كي تبقى المقاومة على أقل تقديرٍ في حدود ما خرجت به من قدراتٍ و قياداتٍ من الزمن الحالي وتقليل ما قد تخسره في أي هجومٍ صهيونيٍّ لا شك أنه قادم فهل ستسمح الصهيونية للمقاومة استعادةَ قوتها؟ أما بعيد المدى فهو خاضعٌ دوماً وأبداً للعقيدةِ والإيمانِ أن النصر وإن عَصى اليوم لا بد حاصلٌ في المستقبل فهذا هو الوعد الإلهي لمن ينصرُه. فهل نملك مقوماته؟ هنا تنشق الطرق بين العرب والمسلمين فلكلٍّ زمانه وعقيدته وهي أزمنةٌ وعقائدٌ متضاربةٌ في مجملها. العرب في الشأنِ الفلسطيني عُربانٌ، فيهم اللاهث وراء السلام والرخاء الصهيونيين وفيهم الواجف المترهب المترقب لدغة الصهيوني و فيهم المبتعد ملتمساً أضعف الإيمان و الأضعفَ منه و فيهم الاستثناء، في اليمن، أو جزءٌ منه، متواثبٌ مُتَحَدٍّ عسكرياً مع المقاومة، و فيهم المقاوم الفلسطيني في غزة و بعض الداخل الفلسطيني القابض على الجمر و المقاوم اللبناني الكامن صبراً. إنه ليس زمانَ نصرٍ حين تصول وتجول الصهيونية إلا إن أسمينا مجرد الحياة نصراً! و لن يفيدنا مؤتمر القمة العربي إن لم يقف العرب بوجه الصهيونية مقاطعةً و دعماً للمقاومة فالصهيوني والأمريكي ضبعين ينتظران ولن يكتفيا بفريسةٍ واحدةٍ. لكنني أخشى أن يأتي المؤتمر ببادرةٍ تُميلُ بالميزان، الذي هو لا نصرٌ ولا هزيمة، ليصبحَ هزيمةً يتم تمويهها نصراً بأسماء وعناوين مختلفة منها إعادة الإعمار وحل الدولتين وما خفي من مشاريع. وقد تختفي لسنواتٍ قادماتٍ أمام هذا الظلم مظاهر المقاومة ليحل مكانها استشراء الصهيونية. نعم، الزمن نِسبيٌّ في النظر له، لكن القصور في النظر له عواقبه وإن كانت الأمم تقيس أزمنتها بالعقود والقرون فإن الحساب يبدأ بالساعات والأيام وليس معقولاً للعرب أن لا يحسبوا صحيحاً في أنهم إن لم يحاربوا اليوم مع المقاومة و في هذه الساعة فلن يكونوا غداً غير فريسةٍ تأكلها الضباع المنتظرة.
*كاتب أردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

بيبي نتانياهو غير متاح حالياَ!

  د. لينا الطبال* فيديوهات إثبات الحياة = حجم الأزمة × منسوب الذعر هكذا يبدأ …