الجمعة , يناير 30 2026
الرئيسية / اراء / إمارة الخليل… خيانة أم مرآة للانهيار؟

إمارة الخليل… خيانة أم مرآة للانهيار؟

نادية حرحش*
لست أظنّ أنني كنت الوحيدة التي قرأت مقال وول ستريت جورنال هذا الصباح بردة فعل بدأت بالاستهجان، وانتهت بالتساؤل عند الانتهاء من المقال.
في الوهلة الأولى، بدا الأمر وكأننا دخلنا في “أبو الشباب” فرع الخليل. على الرغم من أنّ هذا النهج، ومن خلال هذا الفرد من عائلة الجعبري، يعد جهة تنسيقية مرجعية مع قوات الاحتلال منذ مدة ليست قليلة، ويتبعه من يعتقد بتأمين مصالح بعض سكان الخليل، وخاصة التجار، مع سلطات الاحتلال. وليس غريباً ان يخرج علينا أحدهم باسم العشيرة ـ والعشائر في الخليل تحديداً، لأنّ هذا النهج رعته وشجّعته السّلطة الفلسطينية منذ أكثر من عقد، حين غاب القانون وسادت شريعة العشيرة، حين لم يجد المواطن أمناً ولا مكاناً لاستحقاق حقوقه من خلال القانون، حتى صارت العشيرة وقواعدها هي المرجع والقانون. منذ أن صارت جرائم القتل يُدفع فيها لمرتكبها منشدا في عطوة، وصارت أمور الزواج والطلاق وحضانة الأبناء والنفقة تُحلّ من خلال وجاهات وعطوات، أصبح من الطبيعي أن تحكم العشيرة حيث فشلت الدولة في حماية الفرد وضمان حقوقه.
ad
ويمكن القول ان هذا النهج امتد ليشمل مناطق مختلفة ومتعددة لدرجة يمكن القول فيها انه لم يعد هناك استثناء لوجود العشائر كمرجعيات قانونية، بما في ذلك القدس التي يحكمها قانون الاحتلال. ومن الواضح ان هذا التوجه سعت اليه إسرائيل منذ زمن، بتكريس فكرة ان الفلسطينيين ليسوا أكثر من تجمعات عشائرية يمكن تقسيمهم الى وحدات تحكم نفسها، في محاولة لتفتيت ولقد دعا إلى هذا النهج، بل ربما كرّس حياته لأجله، أحد الأكاديميين الصهاينة – مردخاي كيدار – منذ عقود. أذكر أنني سمعته للمرة الأولى قبل أكثر من عشرين عامًا، وكان يومها يصرّ على فكرة أن الفلسطينيين مجرد قبائل بدوية، وأن “الشعب الفلسطيني” لا وجود له أصلًا. أذكر كيف سخرت من كلامه يومها، وكيف راودني شعور ساذج لكنه مملوء بالأمل، بأن الإنسان الفلسطيني أقوى من هذه الروايات، وبأننا شعب جبار رغم كل شيء. وربما كان الانقسام قد بدأ يتسلل آنذاك، لكني كنت لا أزال أؤمن أن ما يجمعنا أكبر من أن يُفتّت بخطاب أكاديمي توراتي مهووس.
وربما لا أحد أعلم من كيدار – الصهيوني التوراتي – بمفهوم القبائل والقبلية المغروس في الشريان اليهودي ذاته. ولعله استوحى تقسيم الفلسطينيين إلى ست أو سبع مناطق عشائرية، على غرار ما كان من تقسيم بني إسرائيل إلى اثنتي عشرة قبيلة منذ عهد موسى عليه السلام.

فهو، بحكم تكوينه وخلفيته، الأدرى بتاريخ التناحر بين القبائل الإسرائيلية، التي تفككت أولاً على يد الآشوريين، ثم على يد البابليين، قبل أن يُمحى وجودها نهائياً على يد الرومان. من يقرأ التاريخ التوراتي يدرك أن معضلة بني إسرائيل الكبرى لم تكن في أعدائهم الخارجيين، بل في صراعاتهم الداخلية. وفي نهاية المطاف، حين لم يتبقَ من تلك القبائل سوى رجال الدين الفاسدين، ثار الشعب عليهم، فجاء تيتوس الروماني ليُنهي المسألة بالكامل، بهدم المدينة ومعبدها على من فيها.

لهذا، فإن ما يفكر فيه كيدار يبدو ممكناً — لرجلٍ تغذّى وجوده على قبائلٍ شكّلت ماهيته اليهودية. يتنكر لأصوله القبلية عبر إسقاطها على العرب، من ملوك الطوائف إلى شرفاء الحجاز، وكأنما القبيلة داء عربي حصريّ. لكنه، في حقيقته، لا يقرأ القبيلة من الخارج بل ينطق بها من عمق بنية يهودية توراتية تأسست على اثني عشر سبطاً، وانقسمت على نفسها حتى الاندثار. ومعرفته ليست تأملاً أكاديميّاً، بل رؤية أمنية ممنهجة صاغها كضابط سابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، حيث خدم لأكثر من ٢٥ عاماً متخصّصاً في الشأن الفلسطيني والإعلام العربي. ما يُعرف اليوم بـ”خطة روابط القرى” أو “خطة الإمارات” هو اقتراحه المباشر: تقسيم الضفة الغربية إلى ثماني إمارات عشائرية، تُدار محليّاً من قِبل زعامات تعيد إنتاج دور “الشيخ” كبديل عن “الرئيس”، متّصلين مباشرة بمنظومة الاحتلال أمنياً واقتصادياً.
في هذا التصور، لا تبقى الخليل مدينة ذات تاريخ وطني أو اقتصادي، بل تُختزل إلى وحدة عشائرية وظيفية، قابلة للتكيّف والامتصاص ضمن البنية الاستعمارية — كما جُرِّب ذلك سابقاً في “روابط القرى” في أواخر السبعينات من القرن الماضي، حين حاولت إسرائيل هندسة قيادة فلسطينية بديلة.
الخليل، ضمن هذا التصوّر، ليست مدينة فلسطينية عريقة، بل وحدة عشائرية قابلة للدمج في هندسة الاحتلال، بغطاء “التمثيل المحلي” وسلطة “الشيخ” البديل. في هذا السياق، لا يبدو بيان الجعبري انحرافاً فردياً، بل صدى دقيقاً لتنظيرات كيدار التي جابت الشاشات والمنصات على مدار عقود ؛بدائل أمنية لنظام سياسي يتهاوى.
وهنا، لا أقترب من القبلية والقبائل بمعناها السلبي أو من موقع الرفض، بل على العكس، أكاد أرى أن الأمم لا تستقيم إلا على أساس من القبلية، أو ما سمّاه ابن خلدون “العصبية” — تلك القوة المؤسسة للدولة، التي تنبع من رابطة النسب أو الولاء، وتُحوِّل الجماعة من التبعثر إلى الكيان السياسي. ننحن نعيش في زمنٍ يرأس فيه دونالد ترامب قبيلته الكبرى في أمريكا. وإن لم يكن ترامب شيخ عشيرة بتصرفاته السلطوية، القبلية، الإقصائية، والعنصرية — فلا أدري كيف يمكن تعريف العشيرة أصلاً!
لقد تحوّل العالم المنفتح على العولمة إلى عالم منغلق على ذاته، يحمي “الأقرب” من “الآخر” العدو.

من أمريكا إلى الخليل، تبدو العصبية — بمفهومها القديم أو الحديث — مبدأً شرعياً في زمن يشعر فيه الأفراد بالخطر الوجودي من كل ما هو خارج جماعتهم الأصلية. لكنّ ما نبّه إليه ابن خلدون أيضاً أنّ العصبية إن فقدت بعدها القيمي وتحولت إلى وسيلة للغلبة أو التبرير، فإنها لا تبني دولة، بل تبرّر خرابها.

بعد كل هذا، نعود إلى أصل المشهد: “إمارة الخليل” كما وردت في تقرير وول ستريت جورنال. يشير كاتب المقال إلى أنّ بيان الجعبري سبق حتى أي موافقة إسرائيلية — وكأن الرجل لم ينتظر الإذن، بل بادر بتقديم العرض الكامل، طواعيةً أو طمعاً، أو ربما بفهم عميق لما يُراد له أن يُقال.
يبدو البيان كأنه وثيقة استسلام طوعي، تعيد إنتاج لحظة أوسلو بنسخة أكثر بؤساً؛ إذ يُبادر ممثلو “الإمارة” بإقرار الواقع كما فرضته إسرائيل، ويجيبون — بلا مواربة — على ما أرادت الحكومة الاسرائيلية سماعه منذ عقود: نعم، نعترف بإسرائيل دولة يهوديّة.
وإذا ما تطلّب الأمر تضمين بندٍ يُدين معاداة السامية — بصيغتها الصهيونية الحصرية — فإن “الفرع السامي” لإمارة الخليل لن يتردّد في إضافته.

أما المطالب فهي واضحة ومباشرة: تصاريح عمل لأهل الخليل، وسلامٌ مشروط يمرّ من بوابة إسرائيل، ويُتوَّج بالانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم — مع الشيخ الجولاني شخصيًا، قبل أن يُنصَّب رسميًا “شرع سورية الجديدة”.

ولربما يبادر الشيخ الجعبري بفتح خيمته لتكون “مكتب التنسيق الإبراهيمي”، فـالخليل — مهد الإبراهيمية — جديرة بأن تستقبل أولى الرحلات التطبيعية القادمة من الإمارات، والبحرين، وسوريا، والسعودية، والأردن، ومصر. تهبط الطائرات مباشرة إلى “مطار – خيمة” إمارة الخليل، ومنها إلى مقام إبراهيم وسارة ورفقة وإسحاق ويعقوب. وربما يواصلون لاحقًا إلى إمارة بيت لحم، للتبرّك من قبة راحيل.
ولعلنا لا نحتاج مطاراً جديداً أصلاً، فمطار “رامون” جاهز ولا يبعد كثيراً عن إمارة الخليل. التنسيق ممكن عبره بسهولة وأمان، بلا ترهيب أو قلق على ملوك وأمراء عشائر العرب وممالكهم الكبرى.
ولكن، بعيداً عن ترهات المستقبل وأفكار “ترامبية” الطابع، تلك التي تتّسع لخيال سموتريتش وبن غفير وتمد لهم أحضانها الأيديولوجية، فإن في البيان جانباً آخر لا يقل خطورة: تحميل إسرائيل مسؤولية إنشاء السلطة الفلسطينية.
خلف هذا الطرح، يلوح همّ فلسطيني حقيقي. همٌّ لا يجرؤ كثيرون على التصريح به، وإن كان يسكن قلوب معظم الفلسطينيين: لقد جلبت لنا أوسلو الذلّ قبل الذل، والإهانة قبل الاحتلال، وأتت بفئة من الفلسطينيين — من خارج الأرض — لتحكم، وتتحكم، وتفسد، وتنهب، وتُهين، حتى دفعت بالبعض، مثل الجعبري ومن يسانده سراً وعلناً، إلى الاستعداد للتخلي حتى عن الحلم، عن الدولة، عن الاستقلال، مقابل الخلاص من هذا العبء السلطوي المهين.
ولا أستطيع لومه هنا. فربما لن تنتهي هذه السلطة، إلا عبر خلق “إمارات” كهذه، تُقزِّم من فيها وتُبقيهم محشورين في جزء من رام الله، يحومون حول المقاطعة كأشباح مرحلة لفظها التاريخ.

ما يطرحه الجعبري يبدو، ولو على نحو مشوّه، كأنه صوت فئة من الشعب تجرأت أخيراً على تسمية المأزق: سنوات من التهميش، والتجويع، والإقصاء، لصالح حفنة من الفاسدين الذين ورثوا حلم الدولة، فحوّلوه إلى مزرعة شخصية.

كل أسف، أقول إن حلم الدولة انتهى قبل أن يولد. انتهى منذ اختُزلت القضية إلى ممتلكات وأموال وبرامج ومشاريع بيد حفنة من أصحاب النفوذ المحسوبين على منظومة الحكم في رام الله — على حساب الاستقلال، والدولة، والحرية.

باعونا الوهم، واشتروا الأراضي، وبنوا العمارات والفلل والقصور. وأطلقوا أبناءهم وأحفادهم في شوارعنا، بسياراتهم الفارهة، يصرخون بلا خجل: “هاي البلد إلنا”.

وما أشار إليه البيان حول عبثية السلطة التي لا يظهر حضورها إلا حين يتعلق الأمر بالضرائب — خصوصًا في الخليل، شريان الاقتصاد الفلسطيني — هو توصيف دقيق ومؤلم.

فالخليل، أكبر محافظات الضفة الغربية ا مساحة وسكاناً، هي الأقل تمثيلًا في الحكومات المتعاقبة (وطبعاً لا حاجة للتذكير أن تلك الحكومات انتقالية أبدية لا تعرف للانتخابات سبيلاً).

فلم لا يفكر أهل الخليل بالاستقلال، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إنسانيتهم، في زمن يُقتلع فيه الإنسان الفلسطيني حتى من فكرة وجوده كإنسان؟

ربما، فقط ربما، يتمكن أهل “إمارة الخليل” من الحفاظ على مدينتهم مزدهرة وآمنة ومحكومة بإرادتهم — كما يفعلون في الواقع أصلاً.

وربما، إذا اجتهدوا أكثر، يمنحهم “ولي الأمر” فرمان مملكة… على غرار ممالك الجوار.

هذا ما جنيناه من فساد سلطة، وغياب انتخابات، وانعدام نزاهة، وانقسام صار قدراً لا مفر منه.

ما يُطرح اليوم باسم “إمارة الخليل” ليس إلا مرآة مشروخة لانهيار المشروع الوطني، وورقة عبور مكشوفة من فشل السلطة إلى استثمار الاحتلال في الفجوات التي صنعتها بنفسها.

ليست الخيانة هنا في إعلان الجعبري فحسب، بل في كل لحظة صمت وتواطؤ وتهاون وفساد جعلت هذا الإعلان يبدو، عند البعض، وكأنه حلّ لا خيانة.

إن كان ما نعيشه اليوم هو نهاية الحلم الفلسطيني، فهو لم يُسحق بقوة الاحتلال وحدها، بل سُلم إليه، قبيلة قبيلة، وفرداً فرداً، على موائد السلطة والمصالح.
*كاتبة فلسطينية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …