الجمعة , يناير 30 2026
الرئيسية / اراء / كواليس جلسة الكابينت!

كواليس جلسة الكابينت!

زياد فرحان المجالي*
الخميس الماضي، وفي القاعة المغلقة لمجلس الكابينت الإسرائيلي، بدا المشهد أشبه بمسرح سياسي – أمني مشحون. وجوه متحفزة، همسات جانبية، أوراق وملفات مرتبة أمام كل وزير، وكاميرات الهواتف ممنوعة إلا من يد نتنياهو الذي بدا واثقاً من ترتيباته.
الهدف المعلن: المصادقة على خطة احتلال كامل قطاع غزة “لإنهاء حكم حماس” و”إعادة الرهائن”. لكن الهدف غير المعلن، والذي فهمه بعض الحاضرين منذ اللحظة الأولى، كان نصب كمين سياسي لرئيس الأركان إيال زامير وتحميله مسؤولية الفشل في عملية “عربات جدعون”.
كمين على الطاولة

افتتح نتنياهو الجلسة بكلمات قليلة، لكنها حملت ثِقَل الاتهام. التفت نحو زامير مباشرة، وألقى عليه عبء الفشل، ملمحاً – دون تصريح – إلى ضرورة استقالته. كان الجو مشدوداً، والأنظار تتنقل بين الاثنين بترقب.

التوقع السائد أن رئيس الأركان سيرفع الراية البيضاء ويعترف بالمسؤولية، لكن ما حدث قلب الموازين: زامير طلب الكلمة، وطلب معها وقتاً كافياً “لإطلاع الجميع على الحقائق”. في زاوية القاعة، تبادل بن غفير وسموتريتش النظرات، ثم تحركا كما لو تلقيا إشارة، ليقاطعاه ويهاجماه، لكن زامير ظل ثابتاً على نبرته الهادئة.

تفكيك “عربات جدعون” أمام الجميع

بدأ زامير عرضه: خرائط، صور جوية، تقارير استخبارية. ثم فجّر أولى المفاجآت:

العملية كانت ارتجالية وبأهداف فضفاضة.
المعلومات الاستخبارية التي بنيت عليها كانت في أغلبها غير دقيقة، وبعضها “مفخخ” عمداً.
18 هدفاً عسكرياً تحوّلت إلى كمائن معدة مسبقاً.
تقارير وصلت من مكتب رئيس الوزراء كانت مضللة، مع تحفظه عن ذكر الأسماء، رغم أن الجميع يعرف وجهة الاتهام نحو يائير نتنياهو.

التفت زامير نحو الوزراء وقال: “حماس استغلت وقف إطلاق النار لإعادة التموضع وبث معلومات مضللة، ونحن وقعنا في الفخ”.

انتقال المعركة إلى خطة الاحتلال الكامل

ثم اتجه زامير إلى خطة نتنياهو الجديدة: “هذه حرب طويلة بلا أهداف محددة، بلا آلية لتحرير الرهائن أو القضاء على حماس. ثلاث سنوات من الاستنزاف، وفي النهاية سننصب قيادة محلية لن تصمد يوماً بعد انسحاب الجيش”.

على الطاولة، وضع تقريراً من قائد شعبة القوى البشرية يثبت أن القوات المتوفرة غير كافية لتنفيذ الخطة بالفعالية المطلوبة. وزير الدفاع إسرائيل كاتس بدا متوتراً وهو يتفحص الأرقام، فيما ساد الصمت الثقيل تلتها همهمات خافتة في صفوف الوزراء.
ارتباك وتبدل مواقف

شيئاً فشيئاً، تغير المزاج داخل القاعة. هنغبي، دريمر، نائب رئيس الشاباك، ورئيس الموساد وجدوا أنفسهم يميلون إلى منطق رئيس الأركان. بن غفير وسموتريتش بدوا معزولين في مقاعدهم.

انتهت الجلسة بإقرار الخطة في عناوينها العريضة، لكن مع اتفاق سري على إعادة تقييمها وتعديلها. النتيجة على الإعلام كانت “تبني الخطة”، لكن خلف الأبواب المغلقة كان المشهد مختلفاً: خطة نتنياهو خرجت مثقوبة، ورئيس الأركان خرج أقوى مما دخل.
تحليل: كابينت بلا إيقاع واحد

هذه الجلسة لم تكن اجتماع عمل عادي، بل مواجهة على مستقبل الحرب نفسها. الانقسام بين المعسكر السياسي الذي يسعى للحسم العسكري الشامل، والمعسكر الأمني الذي يطالب بواقعية ميدانية، أصبح أوضح من أي وقت مضى.

الارتباك الذي ساد القاعة لم ينتهِ بانتهاء الاجتماع. تصريحات نتنياهو تغيّرت بعد أيام قليلة، من “احتلال قطاع غزة” إلى “احتلال مدينة غزة”، في إشارة إلى أن خطته تقلصت قبل أن تبدأ.
في الواقع، خرج الكابينت من هذه الجلسة بمشهد جديد: نتنياهو ما زال يملك الكرسي، لكن المؤسسة الأمنية تملك أوراق اللعبة الميدانية، وهذا التوازن الهشّ يعني أن أي قرار مستقبلي بشأن غزة لن يكون كما أراده نتنياهو… بل كما تسمح به الحقائق على الأرض.
خاتمة: ما بعد الجلسة ليس كما قبلها

جلسة الكابينت هذه ستظل علامة في سجل الحرب الإسرائيلية على غزة، لأنها المرة التي خرج فيها الصراع بين السياسة والعسكر من الكواليس إلى العلن. لم يعد ممكناً لنتنياهو أن يتحدث عن “الحسم” باليقين نفسه، ولم يعد ممكناً للمؤسسة الأمنية أن تصمت أمام خطط ترى فيها انتحاراً استراتيجياً.

في قاعة الاجتماع، انكشفت الفجوة بين الطموح السياسي والقدرة الميدانية، وتأكد أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة مع حماس، بل أصبحت معركة داخلية على من يملك قرار الحرب والسلام في إسرائيل.
القارئ الذي يتابع هذه التفاصيل، لن يقرأها كحكاية عابرة، بل كرسم أولي لخريطة قادمة، حيث تتقاطع خطوط السياسة والعسكر، وحيث كل قرار يُتخذ خلف الأبواب المغلقة يترك أثره على الميدان… وعلى مستقبل المنطقة بأكملها.
*كاتب وباحث سياسي اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …