د. لينا الطبال*
أيها القراء، ألم تملوا بعد من هذه الأكاذيب القديمة عن البحر الذي يحمي المدينة؟ دعونا لا نكن ساذجين. البحر لا يحرس أحد، البحر لا يعرف السياسة، البحر مجرد ماء، ومصيره أن يتبخر، والموج ليس إلا حركة فيزيائية بلا معنى. وغزة، الغارقة في ملحها ودمها، ليست أسطورة… غزة هي حقيقة مؤلمة.
من هناك خرج أنس الشريف. من قال انه بطل في حكاية قديمة؟ هو شاب من مخيم جباليا يصور الحقيقة. هذه هي الحكاية الوحيدة. أنس ليس بطل اسطوري، لكنه صانع أسطورة جديدة: أسطورة الحقيقة.
ها هو أنس، يأتي من هناك، يرتدي درع مكتوب عليه PRESS ، درعه من القماش الثقيل يخفي ألواح مضغوطة، تعويذة عصرية من مواد كيفلر وسيراميك، تحاول أن ترد عن جسده الرصاص… لكنها، ككل تعاويذ هذا العصر الكئيب، لا تصد شيئ حين تكون إسرائيل هي من تطلق النار. أنس، مثل إسماعيل، شيرين، حمزة، عبد الهادي، سلام، هاني، محمد، أحمد، ماجد، شيماء، علا، دعاء، حنان، سامر… كغيره من مئات الصحفيين الذين استهدفتهم إسرائيل، شهدوا على جرائمها، وجرائم جيشها الذي يهزم نفسه كل يوم بقتل الشهود.
إسرائيل، الدولة التي تبيع نفسها للعالم كواحة الديمقراطية، تحطم رقم قياسي جديد في موسوعة غينيس للموت…
هل تتخيل أن إسرائيل، في أقل من عامين، قتلت في غزة من الصحفيين أكثر مما قُتل في كل الحروب من الفترة الممتدة بين 1861 حتى 2025؟ هل بإمكانك ان تهضم هذا الرقم؟ وتشمل هذه الفترة الحرب الاهلية الأميركية والحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، والحرب الكورية، وحرب فيتنام و كمبوديا ولاوس… أضف إليها حروب البوسنة والهرسك وكرواتيا وكوسوفو، وحرب أفغانستان والعراق، وحرب أوكرانية…
بالأمس، حان دور أنس…أنس الشريف ارتقى شهيدا… شهيدا… شهيدا على طريق القدس. إنها العبارة المعتادة، الشعار الذي نردده لنحتمل. لان الموت هنا، في غزة هو روتين يومي كالخبز، أو بالأحرى، كغياب الخبز. إنه مثل الجوع، مثل الخوف، مثل اللون الداكن للدم حين يختلط بالرماد. كل ما هو سيئ هنا يتكرر… كل ما هو سيئ يتكرر بلا توقف، إلا ابتسامة أبو مازن، التي تزداد اتساعا كلما ضاق الحصار على غزة.
غزة بدت من بعيد مثل لوحة ألوانها رماد، شوارعها ثقوب سوداء لا بداية لها ولا نهاية، والريح تحمل رائحة البارود مع قليل من ملح البحر… مزيج يعرفه الغزيون، ويعرفه الطيار الإسرائيلي أيضا… فيعود ليقصف مجددا.
هنا، في غزة، الكلمة ممنوعة، والطعام ممنوع أيضا… حرية التعبير لدى الإسرائيلي تعني حرية قتل كل من يتكلم. لا تحدث إسرائيل عن أخلاقيات المهنة، فهي تعرف مهنة واحدة: الاحتلال… والقتل. إسرائيل تقتل الصحفيين لأنها تخاف مما تعكسه الكاميرا: جثث أطفال، وجوه أمهات، وعيون تقول للعالم انظروا، هذه إبادة جماعية. إسرائيل تقتل الصحفيين لأنها تعرف أن التاريخ سيُكتب بعدساتهم وان المحاكمات ستوثق صورهم.
في نهاية الأمر، أنس الشريف استشهد، وتم دفنه. صار الآن مشهد في ذاكرة غزة: جثمان مغطى برداء أبيض، وأيادي ترفعه بسرعة قبل أن تبدأ الغارة التالية، كاميرا صامتة ترافق الجثمان، ما زالت عدستها مفتوحة، شاهدة على موت صاحبها كما شهدت على حياته… لكنها الآن لا تصور أي شيء. بلا صوت وبلا صورة، لكن #التغطية_مستمرة كما أوصيت يا أنس… الحقيقة لا تموت، هي تنتقل من عدسة إلى أخرى، من زميل إلى زميله، من شهيد إلى حيّ ما زال على الهواء… وكلنا شهداء ننتظر دورنا على طريق القدس.
في هذه الساعة بالذات، يتجادل موظفو الأمم المتحدة حول صيغة بيان قلق عميق. سيبكي بعضهم، وسيتظاهر البعض الآخر بالتأثر، ثم يعودون لشرب قهوة سيئة المذاق في مكاتب مكيفة.
نتنياهو، الغارق حتى أذنيه في ملفات الفساد وأحلام العظمة، يعرف أن الصورة التي نقلها أنس أخطر من أي صاروخ، أخطر من ألف بيان للأمم المتحدة. الكاميرا كانت آخر ما يملكه أنس في مواجهة العالم، شيئ لا يمكن للقبة الحديدية أن تعترضه. كان يطلق كاميرته كما يطلق المقاتل صاروخ “الياسين”، كاميرا وبث وصور لا يمكن لـ”مقلاع داوود” اعتراضه، ولا يسقطه الباتريوت.
وقف نتنياهو بابتسامة نصف مشوهة ليعلن أن إسرائيل تحارب الإرهاب. العالم استمع بصمت، كما يفعل دائما. لكن أنس كان يعرف أن النهاية ستأتي، وربما كان يعرف أيضا أن العالم سيبتسم لإسرائيل بعد ساعات من استشهاده. كان يعرف أن بعد موته لن يتغير شيء. سيظل الحصار حصارا، وسيظل الفلسطينيون أحياء بما يكفي ليموتوا في يوم الغد.
هل تعرفون أن أنس سمّى ابنته “شام” ليقول إن فلسطين لا تعرف حدود؟ فعل ذلك ليقول للعالم: فلسطين لا تُختزل في خط هدنة، ولا في جدار فصل، ولا في خريطة يعبث بها سياسيون مهووسون. فلسطين هي ضد كل احتلال، وضد كل خرق لحق الإنسان في أن يكون حرّ. وأن الوطن أكبر من غزة، وأن الجرح العربي واحد، في الخرطوم المحاصرة، في بيروت المدمرة، في بغداد المنكوبة، في دمشق التي يمر فوقها طيران العدو يقصف ويعود… في كل مكان كان الألم، كانت فلسطين.
لا يا صديقي، نحن لسنا بحاجة لمعجزة. المعجزات لم تعد موجودة، وإن وُجدت فهي مضجرة. نحن بحاجة إلى شيء آخر، أقل رومانسية بكثير، وأكثر قسوة: زمن إضافي مثلا… أو ربما انهيار كامل للنظام العالمي. الحقيقة أن أبطال غزة هم المعجزة التي لا تثير دهشة أحد، لأن العالم اعتاد أن يشاهدهم يموتون.
نحن بحاجة إلى قانون دولي يلاحق إسرائيل ويطبق العقوبات بحقها، وإلى عالم يتوقف عن لعب دور المتعاطف. ما نريده أن يتوقف العالم عن الكذب على نفسه… حتى لو كان ذلك مجرد استراحة قصيرة قبل الكذبة التالية. هل هناك هدنة للكذب؟
في النهاية، البحر سيبقى، والمدينة ستبقى، لكن الوجوه ستختفي. هكذا تسير الأمور دائما. البحر يشهد على موت من لا يستطيع إنقاذهم، والمدينة ستنهار مرة أخرى، وأخرى، وأخرى. كل شيء سيعود كما كان، لأن الزمن في غزة يدور ولا يسير إلى الأمام… الزمن هنا يعيد نفسه بلا رحمة.
لكن، الأمر ليس بتلك الأسطورية المدهشة. بقاء غزة ليس معجزة، ببساطة هو حقيقة مزعجة. والحقيقة هي أن بقاء غزة هو انتصار بحد ذاته. غزة ستنتصر لأن هناك أشياء لا يمكن قتلها.
هل سمعتم؟
أشياء لا يمكن قتلها…
هناك أشياء أبسط وأكثر إحباط: مثل الحقيقة، ومثل البحر الذي، بخلاف معظم ساسة المنطقة، يفهم أن الموجة التالية لا محالة ستكون أكبر من السابقة.
نعم، بحر غزة الذي، رغم صمتكم وتواطؤكم، لا يزال يرسل موجه أكبر من سابقته، كمؤشر واضح على أن هذه النهاية هي بداية غزة ونهايتكم.
*كاتبة وباحثة واكاديمية سورية – باريس
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر